التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٥ - هل التحدي قائم مع الأبد؟
و الآن و قد حان أوان إعلان التحدّي بوجه عامّ، متوجّها إلى البشريّة جمعاء، تحدّيا مستمرّا مع الأبد: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[١].
هل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز؟
و حيث وقع التحدّي مع العرب الأوائل، فلا بدّ أن يخصّ جانب فصاحته الرائعة و بلاغته الرائقة، في أسلوب بديع و ترصيف عجيب، و نظم و تأليف غريب، لا سابقة له و لا مثيل، و لا أمكن أن يخلفه بديل. فهو فذّ فرد منذ أن بدا، و هكذا إلى الأبد، بلا ندّ و لا نظير.
لكنّه حيث وجّه خطابه مع الناس جميعا، على تنوّع مهنهم و حرفهم، و توسّعهم في العلوم و المعارف و الآداب. فلعلّ هناك وقع التحدّي بمجموع ما في الكلام الخارق من بدائع و فرائد أبكار.
ظلّت مع الأبديّة موضع إعجاب العالمين و استغراب الملأ في الخافقين.
هل التحدّي قائم مع الأبد؟
لحن التعبير عامّ، و الخطاب موجّه إلى كافّة الناس، في جميع طبقاتها و في جميع أجيالها.
لكن هناك من حسب اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل، مع بقاء جانب إعجازه مع الأبد. زعما بأنّ عجز أولئك الناس يكفي دليلا على إعجازه أبدا.
هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطي، قالت: مناط التحدّي هو عجز بلغاء العرب ذلك العهد، و أمّا حجّة إعجازه فلا تخصّ عصرا دون عصر. و كان عجز البلغاء من العصر الأوّل- و هم أصل الفصاحة- برهانا فاصلا في قضيّة التحدّي[٢].
و لعلّها خشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم حتّى اليوم، أن سوف ينبري أصحاب الإلحاد من الناطقين بالضاد، فيأتي بحديث مثله، و بذلك ينتقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام.
لكنّها فلتطمئنّ أنّ هذا لن يقع و لن يكون، بعد أن وضع القرآن على أسلوب لا يدانيه كلام بشر البتّة، و لن يستطيع أحد أن يجاريه لا في التعبير و الأداء، و لا في التحبير و الوفاء، ما دام الإعجاز
[١] الإسراء ١٧: ٨٨.
[٢] الإعجاز البياني: ٦٥- ٦٨؛ التمهيد ٤: ٣٢.