التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٠ - ملحوظة
قال الزمخشري: و إنّما استنبأهم و قد علم عجزهم عن الإنباء، على سبيل التبكيت[١].
و التبكيت: غلبة، بحجّة دامغة. و منه تبكيت الضمير أي تعنيفه بقرع الحجّة، يوجب تراجعه عن الغلواء العارمة.
ملحوظة
هنا نلحظ من سيّد قطب- هذا المفسّر الخبير- غريبة في تفسير الأسماء، فرضها القدرة على التسمية، حيث ضرورة الحياة الاجتماعية للإنسان تجعله جانحا إلى الرمز بالأسماء للمسمّيات، و ذلك لغرض إمكان التفاهم مع بني نوعه و لا يمكن إلّا بالتسمية و عن طريق التعبير بالألفاظ. و هي حاجة حياتيّة دعت إلى اصطناع الألفاظ و التفاوض على الرمز للأشياء بذكر أسماء لها.
الأمر الذي لا ضرورة فيه في الحياة الملائكيّة، حيث تبادل المقاصد بينها- إن كان- كان عن طريق الإيحاء، إيحاء المعاني دون الألفاظ.
قال: «ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السرّ الإلهي العظيم الّذي أودعه اللّه هذا الكائن البشري- و هو يسلّمه مقاليد الخلافة- سرّ القدرة على الرمز بالأسماء للمسمّيات، سرّ القدرة على تسمية الأشخاص و الأشياء بأسماء يجعلها- و هي ألفاظ منطوقة- رموزا لتلك الأشخاص و الأشياء المحسوسة. و هي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض، ندرك قيمتها حين نتصوّر الصعوبة الكبرى لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسمّيات و المشقّة في التفاهم و التعامل، حين يحتاج كلّ فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء، أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه ... إنّها مشقّة هائلة لا تتصوّر معها حياة!
فأمّا الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصيّة، لأنّها لا ضرورة لها في وظيفتهم. و من ثمّ لم توهب لهم. فلمّا علّم اللّه آدم هذا السرّ، و عرض على الملائكة ما عرض لم يعرفوا الأسماء، لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظيّة للأشياء و الشخوص. و جهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربّهم، و الاعتراف بعجزهم، و الإقرار بحدود علمهم و هو ما علّمهم»[٢].
و الغرابة في هذا التفسير تبدو بوضوح إذا ما لاحظنا أنّ الجنوح إلى تسمية الأشياء
[١] الكشّاف ١: ١٢٦.
[٢] في ظلال القرآن ١: ٦٩- ٧٠.