التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٤
و ما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه و قولتهم، حتّى يصبّ عليهم من التهديد ما يهدّ الرواسي:
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ- ذلك بأن- يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
و ما أبأس من يستهزئ به جبّار السماء و الأرض، و ما أشقاه.
قال سيّد قطب: و إنّ الخيال ليمتدّ إلى مشهد مفزع رعيب، و إلى مصير تقشعرّ من هوله القلوب، و هو يقرأ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. فيدعهم يخبطون على غير هدى، في طريق لا يعرفون غايته. و اليد الجبّارة تتلقّفهم في النهاية، كالفئران الضئيلة تتواثب في الفخّ، غافلة عن المقبض المكين.
و هذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كالاستهزاء الهزيل الحقير.
و هنا كذلك تبدو تلك الحقيقة الّتي أشرنا من قبل إليه، حقيقة تولّي اللّه- سبحانه- للمعركة الّتي يراد بها المؤمنون. و ما وراء هذا التولّي من طمأنينة كاملة لأولياء اللّه. و مصير رعيب بشع لأعداء اللّه الغافلين المتروكين في عماهم يخبطون، المخدوعون بمدّ اللّه لهم في طغيانهم، و إمهالهم بعض الوقت في عدوانهم. و المصير الرهيب ينتظرهم هنالك، و هم غافلون يعمهون.
و الكلمة الأخيرة الّتي تصوّر حقيقة حالهم، و مدى خسرانهم:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ فلقد كانوا يملكون الهدى- المتاح لهم بفضل الإسلام- لو أرادوا، كان مبذولا لهم، و كان في متناولهم، و لكنّهم اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى كأغفل ما يكون المتّجرون فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى سبيل الاسترباح الأفضل.
قوله تعالى: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...
[٢/ ٤١٩] أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الآية.
قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو بعضهم قالوا: إنّا على دينكم. وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ و هم إخوانهم قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على مثل ما أنتم عليه[١].
[٢/ ٤٢٠] و أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله: وَ إِذا لَقُوا
[١] الدرّ ١: ٧٨؛ الطبري ١: ١٨٨- ١٩٠/ ٢٩٦، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣١٠؛ ابن أبي حاتم ١: ٤٦- ٤٩.