التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - سورة البقرة(٢) آية ٣٠
يقول: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قال: منتن، ثمّ قال للملائكة: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ[١] فخلقه اللّه بيديه لكيلا يتكبّر إبليس عليه ليقول له: تتكبّر عمّا عملت بيديّ و لم أتكبّر أنا عنه؟ فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة. فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لمّا رأوه، و كان أشدّهم منه فزعا إبليس، فكان يمرّ فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخار و تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ[٢] و يقول لأمر ما خلقت! و دخل فيه فخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإنّ ربّكم صمد[٣] و هذا أجوف، لئن سلّطت عليه لأهلكنّه! فلمّا بلغ الحين الّذي يريد اللّه- جلّ ثناؤه- أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له! فلمّا نفخ فيه الرّوح، فدخل الرّوح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد للّه! فقال: الحمد للّه، فقال له اللّه: رحمك ربّك! فلمّا دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنّة، فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الرّوح رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة، فذلك حين يقول: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ[٤] فسجد الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين- أي استكبر و كان من الكافرين- قال اللّه له:
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إذ أمرتك لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ قال أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين، قال اللّه له: اخرج منها فَما يَكُونُ لَكَ يعني ما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ[٥] و الصغار هو الذلّ. قال: و علّم آدم الأسماء كلّها، ثمّ عرض الخلق على الملائكة فقال:
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ بني آدم يفسدون في الأرض و يسفكون الدماء، فقالوا له:
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ اللّه: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال:
قولهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فهذا الّذي أبدوا، و أعلم ما كنتم تكتمون، يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر[٦].
[١] سورة ص ٣٨: ٧١- ٧٢.
[٢] الرحمن ٥٥: ١٤.
[٣] الصمد: المصمت الّذي لا جوف له.
[٤] الأنبياء ٢١: ٣٧.
[٥] الأعراف ٧: ١٣.
[٦] الطبري ١: ٢٩٢- ٢٩٤/ ٥١٠.