التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - سورة البقرة(٢) آية ٣٠
يكون أحد يعلم الغيب غيره، تبنا إليك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا! تبرّيا منهم من علم الغيب، إلّا ما علّمتنا كما علّمت آدم. فقال: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ يقول: أخبرهم بأسمائهم فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ أيّها الملائكة خاصّة إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و لا يعلمه غيري وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يقول: ما تظهرون وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر و الاغترار.
قال ابن جرير: و هذه الرواية عن ابن عبّاس تنبئ عن أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً خطاب من اللّه جلّ ثناؤه لخاصّ من الملائكة دون الجميع، و أنّ الّذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصّة، الّذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم. و أنّ اللّه إنّما خصّهم بقيل ذلك[١] امتحانا منه لهم و ابتلاء ليعرّفهم قصور علمهم و فضل كثير ممّن هو أضعف خلقا منهم من خلقه، عليهم، و أنّ كرامته لا تنال بقوى الأبدان و شدّة الأجسام كما ظنّه إبليس عدوّ اللّه. و يصرّح بأنّ قيلهم لربّهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كانت هفوة منهم و رجما بالغيب، و أنّ اللّه جلّ ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك، و وقفهم عليه حتّى تابوا و أنابوا إليه ممّا قالوا و نطقوا من رجم الغيب بالظنون، و تبرّءوا إليه أن يعلم الغيب غيره، و أظهر لهم من إبليس ما كان منطويا عليه من الكبر الّذي قد كان عنهم مستخفيا[٢].
قال ابن كثير: هذا سياق غريب و فيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها. قال و هذا الإسناد إلى ابن عبّاس يروى به تفسير مشهور. ثمّ نقل الحديث برواية السّدّي عن أبي صالح عن ابن عبّاس و عن مرّة عن ابن مسعود و عن أناس من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عقّبه بقوله: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدّي و تقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعلّ بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنّهم أخذوه من بعض الكتب المتقدّمة. قال: و الحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء و يقول على شرط البخاري!![٣].
[٢/ ٩٧٢] و أخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: خلق اللّه آدم في سماء الدنيا، و إنّما أسجد له
[١] أي بهذا القول.
[٢] الطبري ١: ٢٩٢/ ٥٠٩.
[٣] ابن كثير ١: ٧٨- ٧٩.