التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - سورة البقرة(٢) آية ٣٠
الملائكة الّذين كانوا معه؛ فقال اللّه للملائكة الّذين معه: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة مجيبين له: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كما أفسدت الجنّ و سفكت الدماء؟
و إنّما بعثنا عليهم لذلك. فقال: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يقول: إنّي قد اطّلعت من قلب إبليس على ما لم تطّلعوا عليه من كبره و اغتراره، قال: ثمّ أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق اللّه آدم من طين لازب- و اللازب: اللزج الصلب من حمأ مسنون- منتن. قال: و إنّما كان حمأ مسنونا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم بيده. قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل- أي فيصوّت- قال: فهو قول اللّه: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ يقول: كالشيء المنفوخ الّذي ليس بمصمت، قال:
ثمّ [جعل] يدخل في فيه و يخرج من دبره، و يدخل من دبره و يخرج من فيه، ثمّ يقول: لست شيئا! للصلصلة، و لشيء ما خلقت! لئن سلّطت عليك لأهلكنّك، و لئن سلّطت عليّ لأعصينّك. قال: فلمّا نفخ اللّه فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلّا صار لحما و دما. فلمّا انتهت النفخة إلى سرّته نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول اللّه: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا[١] قال: ضجرا لا صبر له على سرّاء و لا ضرّاء. قال: فلمّا تمّت النفخة في جسده، عطس فقال: الحمد للّه ربّ العالمين، بإلهام من اللّه تعالى. فقال اللّه له:
يرحمك اللّه يا آدم. قال: ثمّ قال اللّه للملائكة الّذين كانوا مع إبليس خاصّة دون الملائكة الّذين في السماوات: اسجدوا لآدم! فسجدوا كلّهم أجمعون إلّا إبليس أبى و استكبر لما كان حدّث به نفسه من كبره و اغتراره، فقال: لا أسجد له و أنا خير منه و أكبر سنّا و أقوى خلقا، خلقتني من نار و خلقته من طين. يقول: إنّ النار أقوى من الطين. قال: فلمّا أبى إبليس أن يسجد أبلسه اللّه و آيسه من الخير كلّه و جعله شيطانا رجيما، عقوبة لمعصيته. ثمّ علّم آدم الأسماء كلّها، و هي هذه الأسماء الّتي يتعارف بها الناس: إنسان و دابّة و أرض و سهل و بحر و جبل و حمار، و أشباه ذلك من الأمم و غيرها.
ثمّ عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني الملائكة الّذين كانوا مع إبليس الّذين خلقوا من نار السموم، و قال لهم: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إن كنتم تعلمون أنّي لم أجعل في الأرض خليفة. قال: فلمّا علمت الملائكة مؤاخذة اللّه عليهم فيما تكلّموا به من علم الغيب الّذي لا يعلمه غيره الّذي ليس لهم به علم، قالوا: سبحانك! تنزيها للّه من أن
[١] الإسراء ١٧: ١١.