التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٧ - كلام عن التسبيح و التقديس
وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ[١].
و هذا هو معنى قوله تعالى: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا[٢] أي انتهجي المنهج الّذي مهّده اللّه و فرض- فرضا ذاتيّا- الجري عليه بلا تهاون و لا فتور.
و الأشياء كلّها على ذلك خاضعة للّه يسبّحون ليلهم و نهارهم على استمرار دائب. ما عدا الإنسان فقد فرض عليه التكاليف ليمتثلها عن اختيار ذاتي لا قسر و لا جبر، اختبارا في صميم ذاته، و استجلاء لمقام خلافته في الأرض. و من ثمّ عبّر بكثير من الناس[٣] لا جميعهم.
قال أبو إسحاق الزجّاج[٤]- في قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[٥]-: قيل: إنّ كلّ ما خلق اللّه يسبّح بحمده، و إنّ صرير السقف و صرير الباب من التسبيح، فيكون- على هذا- الخطاب للمشركين وحدهم في وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. و جائز أن يكون تسبيح هذه الأشياء بما اللّه به أعلم لا يفقه منه إلّا ما علّمنا.
قال: و قال قوم: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي ما من شيء إلّا و فيه دليل أنّ اللّه- جلّ و عزّ- خالقه، و أنّ خالقه حكيم مبرّأ من الأسواء، و لكنّكم أيّها الكفّار لا تفقهون أثر الصنعة في هذه المخلوقات.
قال: و ليس هذا بشيء، لأنّ الّذين خوطبوا بهذا، كانوا مقرّين بأنّ اللّه خالقهم و خالق السماوات و الأرض و من فيهنّ، فكيف يجهلون الخلقة و هم عارفون بها[٦].
قال الأزهري: و ممّا يدلّك على أنّ تسبيح هذه المخلوقات تسبيح تعبّدت به، قول اللّه- جلّ و عزّ- للجبال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ[٧]. و معنى «أوّبي» أي سبّحي مع داود النهار كلّه إلى
[١] الأنبياء ٢١: ١٩- ٢٠. الاستحسار: التعب و الإعياء.
[٢] النحل ١٦: ٦٩.
[٣] الحجّ ٢٢: ١٨.
[٤] هو إبراهيم بن السري الزجّاج النحوي( توفّي: ٣١١ ه) له كتاب معاني القرآن. و قد حضره الأزهري ببغداد و كلّ ما أخذ في التفسير فهو منه.( التهذيب، المقدمة: ٣٩ و ١: ٢٤).
[٥] الإسراء ١٧: ٤٤.
[٦] تهذيب اللغة للأزهري ٤: ١٩٧.
[٧] سبأ: ١٠.