التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٥ - مسألة الهداية و التوفيق
قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[٢/ ٢٩٣] روي عن الإمام العسكرى عليه السّلام: أنّه قال: «ثمّ أخبر عن جلالة هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة فقال: أُولئِكَ، أهل هذه الصفات، عَلى هُدىً بيان و صواب مِنْ رَبِّهِمْ و علم بما أمرهم به. وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون ممّا منه يوجلون، الفائزون بما يؤمّلون.
قال: و جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ بلالا كان يناظر اليوم فلانا، فجعل يلحن في كلامه، و فلان يعرب و يضحك من بلال!
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يا عبد اللّه! إنّما يراد إعراب الكلام و تقويمه لتقويم الأعمال و تهذيبها، ما ذا ينفع فلانا إعرابه و تقويمه لكلامه، إذا كانت أفعاله ملحونة أقبح لحن؟ و ما يضرّ بلالا لحنه في كلامه، إذا كانت أفعاله مقوّمة أحسن تقويم، مهذّبة أحسن تهذيب؟»[١]
[٢/ ٢٩٤] و أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ قال: أي على نور من ربّهم، و استقامة على ما جاءهم به[٢].
[٢/ ٢٩٥] و عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال:
أي الّذين أدركوا ما طلبوا، و نجوا من شرّ ما منه هربوا[٣].
مسألة الهداية و التوفيق
لنا بحث عريض عن مسألة الهداية و التوفيق و عن مسألة الإضلال و الخذلان، عرضناهما بتفصيل عند الكلام عن المتشابهات[٤] نقتطف منهما طرائف هنا بالمناسبة.
الهداية- في أصلها-: الدلالة على الشيء، كقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ[٥]، أي دلّوهم عليه. غير أنّ أنحاء الدلالة تختلف حسب نوعيّتها و درجتها في التأثير و الإيصال إلى المطلوب. فمن دلّ غيره على طريق يؤدّي إلى مقصده فقد هداه، كما أنّ الّذي يأخذ بيده و يوصله إلى مطلوبه أيضا هداه. و إن كان في النوع الأوّل قد يحتمل التيه و الضلال، أمّا الثاني فلا يكاد يحتمل الضلال بعد الحصول على المقصود.
[١] تفسير الإمام: ٩٠- ٩١/ ٤٩.
[٢] الطبري ١: ١٥٨/ ٢٤٣؛ ابن كثير ١: ٤٧.
[٣] الطبري ١: ١٥٨/ ٢٤٤.
[٤] في الجزء الثالث من التمهيد.
[٥] الصافات ٣٧: ٢٣.