التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - قاعدة«قبح العقاب بلا بيان»
قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»
و هكذا يتمسّك للحكم بجواز ما لم يعلم التكليف به- سواء الوجوب أو التحريم- بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان». و هي قاعدة عقلانيّة و متأيّدة بدليل الكتاب و السّنّة، فمن الكتاب:
قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا[١]. و بعث الرسول كناية عن إبلاغ التكليف.
و قوله: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ[٢]. قوله: «ليضلّ» أي ليخذلهم بترك العناية بهم و إذلالهم بالعقاب.
و هذا يدلّ أن لا مؤاخذة على تكليف لم يبلغه، إذا لم يكن للمكلّف تقصير في ذلك.
و من السّنّة، أشهرها حديث الرفع[٣] المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما رواه الفريقان مستفيضا، قال: «رفع عن أمّتي تسع ... و عدّ منها: ما لا يعلمون». الشامل بعمومه كلّا من الجاهل بالحكم أو الموضوع.
و الرفع هنا رفع للمؤاخذة على ترك تكليف كان يجهله- لا عن تقصير- كما مرّ في دلالة الكتاب.
(ملحوظة): و ممّا يجدر التنبّه له أن لا صلة بين هذه القاعدة (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) و أصل الإباحة الذاتيّة المتقدّمة. حيث هذه القاعدة بيان لحكم ظاهري بحت و موضوعه الجهل بالواقع. و هذا نظير الأحكام الثانويّة، حيث نظرا للموضوعات بعناوين طارئة مثل الحرج و الضرر و الاضطرار- و هنا الجهل-. على خلاف أصالة الإباحة الذاتيّة الّتي جعلت الأشياء بعناوينها الذاتيّة موردا للحكم بالإباحة. نعم حيث يسرى هذا الحكم إلى موارد الشبهة، حسبما نبّهنا، فعند ذلك تتساوقان. فتدبّر جيّدا.
[١] الإسراء ١٧: ١٥.
[٢] التوبة ٩: ١١٥.
[٣] الخصال: ٤١٧/ ٩.