التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٤ - السر في تكرار قصص بني إسرائيل
وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و لتكن استعانتكم للمغالبة على هو النفس، بترويضها على المقاومة تجاه المغريات.
و هكذا الصلاة، قربان كلّ تقيّ و ابتهال إلى اللّه ليأخذ بمجامع قلبه و يهديه إلى الصراط السويّ في الحياة، إن ماديّة أو معنويّة. و ليخرجه من الظلمات إلى النور، عند متشابكات الأمور.
وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ: ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ: خشعت نفوسكم لذكر اللّه. و من ثمّ خفّت عليهم و ارتاحت لها نفوسهم و ابتهجت بها.
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
الظنّ هنا: اليقين القاطع.
قال ابن سيده أبو الحسن عليّ بن إسماعيل المرسي (ت ٤٥٨): الظنّ: شكّ، و يقين، إلّا أنّه ليس بيقين عيان، إنّما هو يقين تدبّر. فأمّا يقين العيان فلا يقال فيه إلّا العلم[١].
فاليقين إن حصل عن تدبّر و تعقّل، كان ظنّا قاطعا. و إن حصل عن مشاهدة و عيان، كان علما، حسب متعارف اللغة. و بذلك جاء استعمال القرآن النازل بلسان العرب العرباء.
فالذين يخشعون للّه و لا يخشعون لأحد سواه، هم أهل اليقين و هم على يقين من أمرهم و أنّهم سائرون في رقابة من اللّه، و أنّهم إليه راجعون، فيحاسبهم على أعمالهم حتّى و لو كانت على مقدار مثقال ذرّة: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ[٢]. وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ[٣].
السرّ في تكرار قصص بني إسرائيل
قد يتساءل البعض ما هذا التكرّر في سرد قصص بني إسرائيل؟
نعم كانت قصّة بني إسرائيل قصّة نضال مستمرّ بين دعاة الحقّ و دعاة الفساد في الأرض.
فهناك الأنبياء- و هم دعاة الإيمان و الاستسلام للحقّ- في صفّ رصين، و في مقابلتهم اصطفاف أهل الزيغ و الباطل، في معركة دامية و مستمرّة، ما دامت الأهواء لا تخضع للحقّ و لا تنصاع لمعالم
[١] المحكم و المحيط الأعظم لابن سيده ١٠: ٨. و راجع: لسان العرب لابن منظور ١٣: ٢٧٢.
[٢] سبأ ٣٤: ٣.
[٣] يونس ١٠: ٦١.