التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٥ - السر في تكرار قصص بني إسرائيل
الهدى، و ما دامت عاجلة الدنيا هي الّتي بهرت عيون أهل الردى و تجلّت زخرفتها في نفوسهم، فأنستهم ذكر اللّه.
هكذا استمرّ كفاح بني اسرائيل عنادا مع الحقّ، عبر تاريخهم البئيس المليء بالأكدار و النكبات. فليكن سرد قصصهم عبرة لسائر الأمم و للأمّة المسلمة بالذات، و ليأخذوا من مواضع إسرائيل الملتوية درسا يعتبرون به في انتهاج سبل السعادة و السّلام.
فكان سرد قصصهم و تكريرها، تأكيدا على العظة بها، و كانت ضروريّة أوّلا و قبل كلّ شيء لتحطيم دعاوي يهود، و كشف مكايدها، ببيان حقيقتها و حقيقة دوافعها في الدسّ للإسلام و المسلمين، كما كانت ضروريّة لتفتيح عيون المسلمين و قلوبهم لهذه الدسائس و المكايد الّتي توجّه إلى مجتمعهم الجديد، و إلى الأصول الّتي يقوم عليها؛ كما توجّه إلى وحدة الصفّ المسلم لخلخلته و إشاعة الفتنة فيه.
و من جانب آخر كانت ضروريّة لتحذير المسلمين من مزالق الطريق الّتي عثرت فيها أقدام الأمّة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، و سلبت شرف القيام على أمانة اللّه في الأرض، و منهجه لقيادة البشر. و قد تخلّلت هذه الجولة توجيهات ظاهرة و خفيّة للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق و الدركات.
و ما أحوج الجماعة المسلمة إلى هذه العظة و ذاك الاعتبار، و ما أحوج الأمّة المسلمة في طول تاريخها المجيد إلى تملّي هذه التوجيهات و إلى دراسة هذا القرآن و ما فيه من عبر و عظات، بالعين المفتوحة و الحسّ البصير، لتتلقّى منه تعليمات القيادة الإلهية العلويّة في معاركها الّتي تخوضها مع أعدائها التقليديّين، و لتعرف منها كيف تردّ على الكيد العميق الخبيث الّذي يوجّهونه إليهم دائبين، بأخفى الوسائل و أمكر الطرق. و ما يملك قلب لم يهتد بنور الإيمان، و لم يتلقّ التوجيه من تلك القيادة المطّلعة على السرّ و العلن و الباطن و الظاهر، أن يدرك المسالك و الدروب الخفيّة الخبيثة الّتي يتدسّس فيها ذلك الكيد اللئيم المريب!
نعم كانت قصّة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم؛ و العناية بعرض مواقفها و مواضع عبرتها عناية ظاهرة، توحي بحكمة اللّه- عزّ و جلّ- في علاج هذه الأمّة المسلمة