التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٢ - ملحوظة
نعم كان إبليس و جنوده يشكّلون ركب القوى المعارضة المقاومة في وجه الإنسان، ركبا انشئت من قبل للطموس على معالم الحياة و الحئول دون ازدهارها. وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.
تلك حكمة اللّه في الخلق و التدبير، يجعل من القوى العاملة في هذه الحياة أضدادا متعارضة ليتمخّض الجيّد من الرديء و يذهب الزبد جفاء و أمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض و على ذمّة الخلود.
و الآن و قد انكشف ميدان المعركة الخالدة، المعركة بين خليقة الشرّ في إبليس و خليفة اللّه في الأرض. المعركة الخالدة في ضمير الإنسان و الّتي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته و عهده مع ربّه، و ينتصر فيها الشرّ بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته و ينقاد لهوى نفسه، فيبتعد عن ربّه.
و في الآيات الّتي تليها (٣٥- ٣٩) عرض نموذجي من تلك المعركة الّتي خاضها الإنسان بدء وجوده و خسرها بعض الشيء، لتكون تجربة في محاولاته من بعد طول مسيرة الحياة.
وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ.
نعم يعيش هذا الإنسان- بل و كلّ مخلوق خلقه اللّه- في ظلّ عناية البارئ البارّ الحكيم في طمأنينة و سلام، هادئ البال فارغ الخيال، في رغد و رفاهية من العيش يتمتّع بالحياة حيث يشاء.
فقد أبيحت لهما (لآدم و حوّاء و هما يمثّلان النموذج البشري في بدء تكوينه) كلّ ثمار الجنّة إلّا شجرة واحدة. و ربما كانت ترمز للمحظور الّذي لا بدّ منه في الحياة على الأرض، فبغير محظور لا تنبت الإرادة و لا يتميّز الإنسان المريد (صاحب الإرادة الذاتيّة) من الحيوان المسوق. و لا يمتحن صبر الإنسان و مقاومته تجاه جموح النفس و أطماعها الهابطة، إلّا بمقدار مقدرته و مبلغ صلابته على الوفاء بالعهد و التقيّد بالشرط. فالإرادة هي مفترق الطرق بين الإنسان و غيره.
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ.
تلك هي التجربة الأولى لم ينجح الإنسان فيها كما أراده اللّه وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً[١]. فنسي أم تناسى؟ نعم تناسى حيث غلبته الوساوس و لم يقف موقفه الصارم
[١] طه ٢٠: ١١٥.