التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٧ - سورة البقرة(٢) آية ٣٤
[٢/ ١١٦٩] أخرج ابن المنذر عن ابن عبّاس في قوله: وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ قال: جعله اللّه كافرا لا يستطيع أن يؤمن[١].
*** قلت: و حاشا الصانع الحكيم أن يفطر مخلوقا له على الكفر و الجحود، ممّا يتنافى و قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[٢] و قد تقدّم أنّه الخضوع و الاستسلام للّه تعالى: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[٣]. فكلّ موجود مذعن في واقع ذاته و في صميم فطرته إذعانا صادقا تجاه بارئه الخالق و المدبّر لكلّ شيء.
نعم كان الّذي من إبليس هو كفران نعمه تعالى فلم يشكر آلاءه تعالى عليه و على سائر الخلق، و كان من تبعة هذا الكفران هو العصيان و التمرّد عن امتثال أوامره تعالى الحكيمة، استكبارا و اغترارا بهوى النفس.
[٢/ ١١٧٠] فقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله تعالى: وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ قال: يعني العاصين[٤].
و أمّا التعبير ب «كان»- فعلا ماضيا- فغير خفيّ أنّه فعل ناقص و ليس مساغه مساغ الأفعال التامّة. فلم يكن إخبارا عن ماض غابر، و إنّما هو إخبار عن حالة كائنة. قال الزمخشري: معناه: كان من جنس كفرة الجنّ و شياطينهم فكذلك أبى و استكبر، كما في آية أخرى: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ[٥]. أي حيث كونه من مردة الجنّ بدرت منه بادرة التمرّد و الاستكبار!
و من تتبّع موارد استعمال «كان» في القرآن بل و في كلام العرب، يجد الأمر كما ذكرنا. قال تعالى: وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ[٦]. أي حال كونه غنيّا أو فقيرا، لا فيما سبق!
وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ. أي كان له ولد حينذاك.
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.
[١] الدرّ ١: ١٢٥.
[٢] الإسراء ١٧: ٤٤.
[٣] الرعد ١٣: ١٥.
[٤] الطبري ١: ٣٢٧/ ٥٩١؛ ابن كثير ١: ٨١.
[٥] الكشّاف ١: ١٢٧. و الآية من سورة الكهف ١٨: ٥٠.
[٦] النساء ٤: ٦.