التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - إلمامة بوجوه إعجاز القرآن
الوجه الرابع: جانب اشتماله على معارف سامية و تعاليم راقية، أتحف بها البشريّة جمعاء، و كانت تجهلها أو كانت معرفتها عن ذلك ناقصة و مبعثرة، فجاءت في تعاليم القرآن وافية شافية، و كاملة جامعة. الأمر الّذي أبهر و أعجب، و هكذا أذعنت البشريّة برفعتها و سمّوها عمّا كانت تعرفها من ذي قبل، و كانت تتطلّبها حسبما جاءت في القرآن، و كانت شفاء لما في الصدور.
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[١].
كان الإنسان لم يزل يحاول التعرّف على أمور تمسّ بحياته على الأرض، ليعرف عن نفسه أوّلا من هو؟ و ما هو؟. ثمّ هو من أين؟ و إلى أين؟ و أيضا ما هو سرّ الوجود و السبب الباعث على الخليقة؟. و إلى أمثالها من أسئلة تجوش في نفسه يحاول العثور على إجابة صحيحة عليها تقنعه فيستريح إليها.
هذا و القرآن- في برامجه عن الحياة- قد أتى بالأجوبة الكاملة الكافلة لبيان سرّ الوجود.
و لا سيّما الحكمة في خلق الإنسان، الّذي هو بدوره الغاية القصوى للوجود كلّه. كما جاء في الحديث القدسى: «يا ابن آدم، خلقت الأشياء لأجلك و خلقتك لأجلي»[٢].
و في القرآن وصف كامل عن الإنسان، في أصل وجوده و السرّ المستسرّ وراء خلقه، و أنّه الغاية من الخلق و المهيمن على سائر الخليقة، و كونه المثل الأعلى للصانع الحكيم.
قال تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[٣]. و الخلافة هنا هي المظهريّة الأجلى لذاته تعالى في صفاته الجمال و الجلال. ليكون هذه الإنسان خلّاقا مبدعا تتجلّى على يديه أسرار الكون و خبايا الوجود. و أوكله عمارة الأرض و إحياء معالمها: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها[٤].
و قد أودعه تعالى أمانته (العقل و القدرة على التفكير و الانتاج) الّتي أشفق من تحمّلها سائر الخلق: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا
[١] يونس ١٠: ٥٧- ٥٨.
[٢] علم اليقين- للفيض الكاشاني ١: ٣٨١؛ مشارق أنوار اليقين- للبرسي: ٦٧.
[٣] بقرة ٢: ٣٠.
[٤] هود ١١: ٦١.