التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٤
قال القرطبي: أي و إذا قيل لهم- يعني اليهود- آمنوا كما آمن الناس: (عبد اللّه بن سلام و أصحابه) قالوا: أ نؤمن كما آمن السفهاء يعنى الجهّال و الخرقاء[١].
[٢/ ٤١٨] و أخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: كَما آمَنَ السُّفَهاءُ قال: يعنون أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و أخرج عن الربيع و ابن زيد مثله[٢].
قوله تعالى: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ
هذه هي السمة الأخير الّتي تكشف عن مدى الصلة بين المنافقين في المدينة و اليهود الحانقين. إنّهم لا يقفون عند حدّ الكذب و الخداع، و السفه و الادّعاء، إنّما يضيفون إليها الضعف و اللؤم و التآمر في الظلام.
قال سيّد قطب: و بعض الناس يحسب اللؤم قوّة، و المكر السّيء براعة، و هو في حقيقته ضعف و خسّة. فالقويّ ليس لئيما و لا خبيثا، و لا خادعا و لا متآمرا، و لا غمّازا في الخفاء لمّازا.
و هؤلاء المنافقون- و لا يزالون- كانوا يجبنون عن المواجهة، و يتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين، ليتّقوا الأذى، و ليتّخذوا هذا الستار وسيلة للأذى.
و لكنّهم كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم و هم- غالبا- اليهود الّذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصفّ الإسلامي و تفتيته، كما أنّ هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سندا و ملاذا.
كانوا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا في نهاية الخسّة و الرذالة: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بالمؤمنين، بإظهار الإيمان لهم جهرا و مكايدتهم سرّا.
[١] القرطبي ١: ٢٠٥.
[٢] الدرّ ١: ٧٧؛ الطبري ١: ١٨٦/ ٢٩١، عن ابن مسعود و عن ناس من أصحاب النبي. و ٢٩٢ عن الربيع و ٢٩٣ عن ابن زيد؛ ابن كثير ١: ٥٣، نقلا عن أبي العالية و السدّي في تفسيره بسنده عن ابن عبّاس و ابن مسعود و غير واحد من الصحابة و به يقول: الربيع بن أنس و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم و غيرهم.