التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - حقيقة الإيمان و اليقين
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض أسفاره إذ لقيه ركب، فقالوا: السّلام عليك يا رسول اللّه، فقال: «ما أنتم؟
فقالوا: نحن مؤمنون يا رسول اللّه! قال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرّضا بقضاء اللّه و التفويض إلى اللّه و التسليم لأمر اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: علماء حكماء[١] كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون و لا تجمعوا ما لا تأكلون و اتّقوا اللّه الّذي إليه ترجعون»[٢].
[٢/ ١٧١] و بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصبح، فنظر إلى شابّ في المسجد و هو يخفق[٣] و يهوي برأسه، مصفرّا لونه، قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول اللّه موقنا، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قوله و قال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال:
إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الّذي أحزنني و أسهر ليلي و أظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدّنيا و ما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي و قد نصب للحساب و حشر الخلائق لذلك و أنا فيهم. و كأنّي أنظر إلى أهل الجنّة، يتنعّمون في الجنّة و يتعارفون و على الأرائك متّكئون. و كأنّي أنظر إلى أهل النّار و هم فيها معذّبون مصطرخون، و كأنّي الآن أسمع زفير النّار، يدور في مسامعي. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأصحابه: هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشابّ:
ادع اللّه لي يا رسول اللّه أن أرزق الشّهادة معك، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر»[٤].
[٢/ ١٧٢] و بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «استقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاريّ فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك؟ فقال: يا رسول اللّه مؤمن حقّا، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدّنيا فأسهرت ليلي و أظمأت هواجري و كأنّي أنظر إلى عرش ربّي [و] قد وضع للحساب و كأنّي
[١] في بعض النسخ« حلماء» و الحلم بالكسر: العقل و منه قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ. الطور ٥٢: ٣٢.
[٢] الكافي ٢: ٥٢- ٥٣/ ١.
[٣] يقال خفق برأسه إذا أخذته سنة من النعاس فمال رأسه دون سائر جسده.
[٤] الكافي ٢: ٥٣/ ٢.