التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - اختيار أبي جعفر الطبري
منه فيها من الفساد و سفك الدماء، فقد كان طوى عنهم الخبر عمّا يكون من كثير منهم ما يكون من طاعتهم ربّهم و إصلاحهم في أرضه و حقن الدماء و رفعه منزلتهم و كرامتهم عليه، فلم يخبرهم بذلك، فقالت الملائكة: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ على ظنّ منها على تأويل هذين الخبرين اللّذين ذكرت، و ظاهرهما أنّ جميع ذرّيّة الخليفة الّذي يجعله في الأرض يفسدون فيها و يسفكون فيها الدماء. فقال اللّه لهم إذ علّم آدم الأسماء كلّها: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم تعلمون أنّ جميع بني آدم يفسدون في الأرض و يسفكون الدماء على ما ظننتم في أنفسكم، إنكارا منه- جلّ ثناؤه- لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع و العموم، و هو من صفة خاصّ ذرّيّة الخليفة منهم.
و هذا الّذي ذكرناه هو صفة منّا لتأويل الخبر لا القول الّذي نختاره في تأويل الآية[١].
قال أبو جعفر: و ممّا يدلّ على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرّيّة الخليفة و سفكها الدماء على العموم:
[٢/ ٩٧٥] ما حدّثنا به ابن أحمد بن إسحاق الأهوازيّ بالإسناد إلى عبد الرحمن بن سابط في قوله: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ قال: يعنون الناس.
و قال آخرون في ذلك.
[٢/ ٩٧٦] بما حدّثنا به بشر بن معاذ بإسناده عن قتادة قال: قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فاستشار الملائكة[٢] في خلق آدم، فقالوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و قد علمت الملائكة من علم اللّه أنّه لا شيء أكره إلى اللّه من سفك الدماء و الفساد في الأرض.
قال: و ذكر لنا أنّ ابن عبّاس كان يقول: إنّ اللّه لمّا أخذ في خلق آدم، قالت الملائكة: ما اللّه خالق خلقا أكرم عليه منّا و لا أعلم منّا. فابتلوا بخلق آدم، و كلّ خلق مبتلى، كما ابتليت السماوات و الأرض بالطاعة، فقال اللّه: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[٣].
[١] الطبري ١: ٢٩٤- ٢٩٥.
[٢] و في الطبعة الجديدة:« فاستخار الملائكة» و هو أيضا بمعنى الاستشارة، أي استشارهم ليرى الخير و الصلاح في ذلك!
[٣] فصّلت ٤١: ١١.