التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ[١] فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال[٢].
و هذا الّذي ذكره سيّدنا العلّامة، جيّد لطيف و حقيقة لا محيص عنها: إنّ للموجودات بأسرها حظّا من الشعور بقدر ما لها من حظّ الوجود. و هو الظاهر من تعابير القرآن الكريم و كثير من أحاديث الصادقين عليهم السّلام.
لكن تفسير التسبيح بالتسبيح العبادي و من نوعه الفعلي (العملي)- كما ارتآه الراغب الأصفهاني- لعلّه أوجه و أوفق مع تعابير القرآن، لا سيّما بالنظر إلى توارد تسبيح الكائنات و سجودها في آيات متماثلة، و القرآن يفسّر بعضه بعضا، و بعد أن لم يكن في تفسير الراغب ما يستدعي تأويلا في التعبير، كما ارتكبه سيّدنا الأستاذ، حيث أوّل القول و الكلام- من معناهما اللغوي المتعارف المتفاهم عصر النزول- إلى مفهوم عام: كلّ أثر أو عمل يكشف عن معنى خبئ، الأمر الّذي لم يكن مفهوم ذلك العهد و لا في سائر الأزمان و حتّى مع الأبد، إلّا لمن درس هذا التحقيق!!
و أمّا التعبير بالقول في موارد لم يصحّ النطق اللفظي فيها، فهو من باب الاستعارة التخييليّة، و هي من أجود أنواع الاستعارات، و الّتي قد ملئ القرآن العظيم منها: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[٣]. و هذا من أفخم الاستعارات التخييليّة، المتجلّل بها وجه القرآن المجيد. إنّها تمثيل في ترسيم رائع، و قد بهر الأدباء في القديم و لا يزال[٤].
هذا مع أنّه قدّس سرّه حاول تأويل الكلام أيضا بمثل ما صنعه في القول، و لكنّه لم يأت له بشاهد من الكتاب[٥].
[١] سبأ ٣٤: ١٠.
[٢] الميزان ١٣: ١١٥- ١١٧ بتلخيص و اختزال. و راجع: ٢: ٣٣٣- ٣٣٤ لبيان حقيقة القول.
[٣] سورة ق ٥٠: ٣٠.
[٤] راجع ما سجّله الشيخ الطنطاوي بشأن هذه الآية من الإعجاز البلاغي الرفيع ٢٣: ١٠٧- ١٠٨.
[٥] راجع ما سجّله الأستاذ الطباطبائي بهذا الصدد في الميزان ٢: ٣٣٣.