التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠١ - ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
صريحا عن وحدانيّة ربّها في ربوبيّته و ينزّهه عن كلّ نقص و شين، فهي تسبّح اللّه سبحانه.
و ذلك لكونها في أنفسها فقيرة إلى اللّه، و الحاجة أقوى كاشف عن غناء المحتاج إليه. فكلّ موجود يكشف بذاته المحتاجة عن غناء موجده الكامل التامّ. كما أنّ النظام العامّ المترابط و المنسجم بعضها مع بعض في وحدة جامعة متكاملة، لممّا يدلّ بوضوح على وحدة موجدها و أنّه الّذي يلجأ إليه جميع الكائنات في فقرها و حاجتها، فهو الغنيّ الّذي لا فقر لديه و الكامل الّذي لا نقص فيه، فهو ربّ العالمين إذ لا ربّ سواه. فكلّ واحد منها يكشف بحاجته و نقصه، عن تنزّه ربّه عن الحاجة و براءته من النقص. و هذا الكشف الذاتي- المنبعث من صميم الموجودات- قد عبّر عنه بالتسبيح و التحميد.
قال: لعلّك تقول: إنّ مجرّد الكشف الذاتي لا يسمّى تسبيحا حتّى يقارن بالقصد، و القصد ممّا يتوقّف على الحياة، و هي عادمة في أكثر الموجودات.
لكن الظاهر من التعبير القرآني أنّ للموجودات بأسرها نحو شعور و إحساس و أنّ لها حظّا من العلم على قدر ما لها من مرتبة الوجود، قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ[١].
وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[٢].
إذن فما من كائن إلّا و هو يشعر بنفسه بعض الشعور أنّ لها ربّا يبتغي رحمته و عطفه عليه، فهو الغنيّ الكامل الّذي يلجأ إليه المحتاجون.
و هذا هو تسبيح الكائنات تسبيحا حقيقيّا بلسان قالها- لا بلسان حالها فحسب- غير أنّ لسان القال لا يستلزم كونه بلفظ أو صوت كما نبّهنا.
قال: فالحقّ أنّ التسبيح الّذي تثبته الآية لكلّ شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي، و قد تكرّر في كلامه تعالى، و فيها موارد لا تحتمل غير الحقيقة كقوله تعالى: وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ[٣]. و قوله: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ[٤]. و يقرب منه قوله: يا جِبالُ
[١] النور ٢٤: ٤١.
[٢] البقرة ٢: ٧٤.
[٣] الأنبياء ٢١: ٧٩.
[٤] سورة ص ٣٨: ١٨.