التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٤ - مسائل و دلائل
الفضاء، لأنّه تصوّر مادّي عن أمر هو يفوق المادّة و متجرّد عنه. و عليه، فقس كلّ ما جاء في أمثال هذه التعابير.
فلا تتصوّر من الشياطين أجساما على مثال الأناسي و الطيور، و لا رجمها بمثل رمي النشّاب إليها، و لا مرودها بمثل نفور الوحش، و لا اسّماعها في محاولة الصعود إلى الملأ الأعلى بالسارق المتسلّق على الحيطان، و لا قذفها بمثل قذف القنابل و البندقيّات، و لا الحرس الّذين ملئوا السماء بالجنود المتصاكّة في القلاع. و لا رصدها بالكمين لها على غرار ميادين القتال. إذ كلّ ذلك تشبيه و تمثيل و تقريب في التعبير لأمر غير محسوس إلى الحسّ لغرض التفهيم، فهو تقريب ذهني، أمّا الحقيقة فالبون شاسع و الشقّة واسعة و المسافة بينهما بعيدة غاية البعد.
قال العلّامة الطباطبائي: إنّ هذه التعابير في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة، ليتصوّر بها الأمور الخارجة عن محدودة الحسّ في صور المحسوسات للتقريب إلى الأذهان. و هو القائل عزّ و جلّ: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ[١] أي لا يتعقّلها و لا يعرف مغزاها إلّا من عرف أنّها أمثال ظاهريّة ضربت للتقريب محضا.
قال: و أمثال هذه التعابير كثير في القرآن كالحديث عن العرش و الكرسي و اللوح و الكتاب و غيرها.
قال: و على هذا، فيكون المراد من السماء الّتي ملأتها الملائكة: عالما ملكوتيّا هو أعلى مرتبة من العالم المشهود، على مثال اعتلاء السماء الدنيا من الأرض. و المراد من اقتراب الشياطين إليها و استراق السمع و القذف بالشهب: اقترابهم من عالم الملائكة لغرض الاطّلاع على أسرار الملكوت، و ثمّ طردهم بما لا يطيقون تحمّله من قذائف النور. أو محاولتهم لتلبيس الحقّ الظاهر، و ثمّ دحرهم ليعودوا خائبين[٢]. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ[٣].
و الآيات من سورة الجنّ لعلّها إشارة إلى هذا المعنى، حيث هي ناظرة إلى بعثة نبيّ الإسلام، و قد أيس الشيطان من أن يعبد و علا نفيره.
[٢/ ٩٢٩] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «و لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
[١] العنكبوت ٢٩: ٤٣.
[٢] الميزان ١٧: ١٢٤ نقلا مع تصرّف يسير.
[٣] الأنبياء ٢١: ١٨.