التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٦ - مسائل و دلائل
العقول، أو لنظام المعايش و الصناعات لتربية الجسم. و إلى الأوّل أشار بقوله تعالى: وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً[١]. و إلى الثاني قوله: وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ[٢]. و كلّ من خالف هاتين الطريقتين فهو على أحد حالين: إمّا أن يريد ابتزاز أموال الناس بالاستعلاء بلا فائدة، و إمّا أن يريد الصيت و الشهرة و كسب الجاه. و كلاهما لا نفع في علمه و لا فضل له. فمن طلب العلم أو أكثر في الذكر ليكون عالة على الامّة فهو داخل في نوع الشيطان الرجيم، مرجوم مبعد عن إدراك الحقائق و معذّب بالذّل و الهوان، و هذا مثال قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى (فلا يعرفون حقائق الأشياء) وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً بما ركّب فيهم من الشهوات و ما ابتلوا من العاهات وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي في أمل متواصل ملازم لهم مدى الحياة. فلو حاول أن يخطف خطفة من الحقائق حالت دون بلوغه لها الأميال الباطلة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ[٣].
نعم إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ[٤]. و لا شكّ أنّها كناية عن حرمانهم العناية الربّانيّة المفاضة من ملكوت أعلى. الأمر الّذي أنعم به الرّبانيّون في هذه الحياة:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ[٥]. فملائكة الرحمة تهبط إليهم و هم في مواضعهم آمنون مستقرّون سائرون في طريقهم صعدا إلى قمّة الكمال.
و كذلك قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ[٦]. أي آخذ في الصعود إلى سماء العزّ و الشرف و الكرامة. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[٧]. فما هذا الصعود و هذا الرفع إلّا ترفيعا في مدارج الكمال.
و هكذا جاء التعبير بفتح أبواب السماء كناية عن هطول المطر فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ
[١] الحجر ١٥: ١٦.
[٢] الأعراف ٧: ١٠، الحجر ١٥: ٢٠.
[٣] الصافّات ٣٧: ٦- ١٠. راجع: تفسير الجواهر ٨: ١٣، و ١٨: ١٠.
[٤] الأعراف ٧: ٤٠.
[٥] فصّلت ٤١: ٣٠.
[٦] إبراهيم ١٤: ٢٤.
[٧] فاطر ٣٥: ١٠.