التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - المتقون هم أهل الفضائل
تلك هي التقوى، حسّاسية في الضمير، و شفّافيّة في الشعور، و خشية مستمرّة، و حذر دائم، و توقّ لأشواك الطريق، طريق الحياة، الّذي تتجاذبه أشواك الرغائب و الشهوات، و أشواك المطامع و المطامح، و أشواك المخاوف و الهواجس، و أشواك الرجاء الكاذب، فيمن لا يملك إجابة رجاء، و الخوف الكاذب ممّن لا يملك نفعا و لا ضرّا، و عشرات غيرها من الأشواك[١].
إذن فالمتّقون كما:
[٢/ ٩١] وصفهم الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع. غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ... عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دون ذلك في أعينهم ... فمن علامة أحدهم: أنّك ترى له قوّة في دين، و حزما في لين، و إيمانا في يقين، و حرصا في علم، و علما في حلم، و قصدا في غنى، و خشوعا في عبادة، و تجمّلا في فاقة، و صبرا في شدّة، و طلبا في حلال، و نشاطا في هدى، و تحرّجا عن طمع ... الخير منه مأمول، و الشرّ منه مأمون ... بعيدا فحشه، ليّنا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شرّه ... في الزلازل وقور، و في المكاره صبور، و في الرخاء شكور ... يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه. لا يضيع ما استحفظ، و لا ينسى ما ذكّر ... و لا يدخل في الباطل، و لا يخرج من الحقّ ... نفسه منه في عناء، و الناس منه في راحة[٢].
فالتقوى: هي مجموعة فضائل نفسيّة تجعل صاحبها في قمّة المكرمة الإنسانيّة الرفيعة، له شرفه و نبله و كرامته. و هذه الفضائل هي الّتي آهلته لإفاضة النفحات القدسيّة عليه في جميع أنحاء حياته الكريمة، و انفتاح أبواب الخير و البركات عليه. وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٣].
ألا و هي الاستقامة على طريقة الحقّ اللائحة، فتستعقب لا محالة صفاء في علم و ضياء في حكمة، وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[٤]. وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[٥].
فهناك التقوى تستجلب العلم و الحكمة و الهداية إلى سبيل الرشاد.
[١] انظر تفاصيل ما بيّنه سيّد قطب في هذا المجال( في ظلال القرآن ١: ٣٩- ٤١).
[٢] نهج البلاغة ٢: ١٦٠- ١٦٤، الخطبة: ١٩٣.
[٣] الجنّ ٧٢: ١٦.
[٤] البقرة ٢: ١٩٤.
[٥] البقرة ٢: ٢٨٢.