التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٦ - إيحاءات من قصة آدم
مخلوقة- أو مصنوعة- من أجله، من أجل تحقيق إنسانيّته، من أجل تقرير وجوده الإنساني.
فلا يجوز إذن أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانيّة، أو نقض مقوّم من مقوّمات كرامته.
و الاعتبار الثاني هو أنّ دور الإنسان في الأرض هو الدور الأوّل. فهو الّذي يغيّر و يبدّل في أشكالها و في ارتباطاتها؛ و هو الّذي يقود اتجاهاتها و رحلاتها. و ليست وسائل الإنتاج و لا توزيع الإنتاج، هي الّتي تقود الإنسان وراءها ذليلا سلبيّا كما تصوّره المذاهب الّتي تحقّر من دور الإنسان و تصغّر، بقدر ما تعظّم في دور الآلة و تكبّر!
إنّ النظرة القرآنيّة تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض، عاملا مهمّا في نظام الكون، ملحوظا في هذا النظام. فخلافته في الأرض تتعلّق بارتباطات شتّى مع السماوات و مع الرياح و مع الأمطار، و مع الشموس و الكواكب. و كلّها ملحوظ في تصميمها و هندستها إمكان قيام الحياة على الأرض، و إمكان قيام هذا الإنسان بالخلافة. فأين هذا المكان الملحوظ من ذلك الدور الذليل الصغير الّذي تخصّصه له المذاهب الماديّة، و لا تسمح له أن يتعدّاه؟!
و ما من شكّ أنّ كلّا من نظرة الإسلام هذه و نظرة الماديّة للإنسان تؤثّر في طبيعة النظام الّذي تقيمه هذه و تلك للإنسان؛ و طبيعة احترام المقوّمات الإنسانيّة أو إهدارها؛ و طبيعة تكريم هذا الإنسان أو تحقيره. و ليس ما نراه في العالم المادّي من إهدار كلّ حرّيّات الإنسان و حرماته و مقوّماته في سبيل توفير الإنتاج المادّي و تكثيره، إلّا أثرا من آثار تلك النظرة إلى حقيقة الإنسان، و حقيقة دوره في هذه الأرض!
كذلك ينشأ عن نظرة الإسلام الرفيعة إلى حقيقة الإنسان و وظيفته، إعلاء القيم الأدبيّة في وزنه و تقديره، و إعلاء قيمة الفضائل الخلقيّة، و تكبير قيم الإيمان و الصلاح و الإخلاص في حياته. فهذه هي القيم الّتي يقوم عليها عهد استخلافه: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و هذه القيم أعلى و أكرم من جميع القيم المادّيّة- هذا مع أنّ من مفهوم الخلافة تحقيق هذه القيم المادّيّة، و لكن بحيث لا تصبح هي الأصل و لا تطغى على تلك القيم العليا- و لهذا وزنه في توجيه القلب البشري إلى الطهارة و الارتفاع و النظافة في حياته. بخلاف ما توحيه المذاهب المادّيّة من استهزاء بكلّ القيم الروحيّة، و إهدار لكلّ القيم الأدبيّة، في سبيل الاهتمام المجرّد بالإنتاج