التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٣ - نظرة في أخبار الطينة
الباب حديث يعتمد على إسناده، بل جميع أخباره ضعيفة. حتّى و لو فرض صحة إسناد بعضها، لكنّها في محتواها مخالفة لأصول المذهب، و لأحاديث الفطرة على التوحيد. إنّ من أصول مذهبنا العدل و اللطف الشامل. فلا يجعل بعض الناس في فطرتهم أقرب إلى الطاعة و بعضهم أبعد. و كان التبعيض في خلق الإنسان مخالفا لمقتضى العدل. إنّه تعالى سوّى- في اللطف و التوفيق- بين مختلف الشعوب و الطوائف، و مكّن لهم جميعا القدرة على الامتثال و اجتناب الآثام، بحيث كان تمهيد السبيل للجميع على سواء.
فلو كان خلق بعض الناس من طينة خبيثة، فإن كان لا يمكنه التخلّص منها، فهذا جبر باطل.
و إمّا يوجب تسهيلا له في ارتكاب القبائح، فهذا بنفسه قبيح، لأنّه تبعيض في مرحلة اللطف بعباده.
الّذي هو تمهيد الأسباب نحو الخير و الصلاح.
على أنّ ذلك مخالف لأحاديث الفطرة على التوحيد، و أن ليس في أصل الخلقة تشويه أو عيب، و إنّما العيب عارض. كما خلق اللّه الماء صافيا، و إنّما تكدره الأوساخ العارضة. و هكذا الإنسان خلق سليما- على الحنيفيّة البيضاء النقيّة- لو لا أن يكدر صفوة الأدناس الّتي تعترض طريقه.
قال: فالأصل الّذي عليه اعتقادنا: أنّ جميع آحاد الناس متساوون في الفطرة و في أصل الخلقة، و متصافّون على اجتياز مسالك الخير و الصلاح، و اجتناب مباعث الشرّ و الفساد، ما داموا على الفطرة الأولى و لم يجرف بهم الطواري.
فما خالف هذا الأصل الأصيل فهو مرفوض إن لم يكن قابلا للتأويل[١].
*** و للمولى محمّد صالح المازندراني رحمه اللّه هنا توجيها حاول فيه تأويل تلكم الأخبار إلى ما يمكن قبولها بعض الشيء، دون الرفض الباتّ!
قال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا خلق الأرواح و علم أنّ بعضها يهوي إلى الخير و الصلاح، و آخر يبغي الشرّ و الفساد، مهما كانوا و من أيّ طينة خلقوا. فكان من سابق علمه أن جعل طينة أبدان هواة الخير من علّيّين. و طينة أبدان بغاة الشرّ من سجّين. و ذلك رعاية للمناسبة و المجانسة بين كلّ
[١] راجع: شرح أصول الكافي للمولى صالح المازندراني ٨: ٤، التعليقة رقم ١، بتوضيح.