التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٦ الى ٢٧
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها.
فاللّه ربّ الصغير و الكبير و خالق البعوضة و الفيل، و المعجزة في خلق البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل. إنّها معجزة الحياة، معجزة السرّ المغلق الّذي لا يعلمه إلّا اللّه. على أنّ العبرة في المثل ليست في الحجم و الشكل، إنّما الأمثال أدوات للتنوير و التبصير، و ليس في ضرب المثل ما يعاب أو يستدعي الاستحياء، و اللّه- جلّت حكمته- يريد بها اختبار القلوب و امتحان النفوس:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
ذلك أنّ إيمانهم باللّه يجعلهم يتلقّون كلّ ما يصدر عنه بما يليق بجلاله؛ و بما يعرفون من حكمته، و قد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم، و حسّاسيّة في أرواحهم، و تفتّحا في مداركهم، و اتّصالا بالحكمة الإلهيّة في كلّ أمر و في كلّ قول يجيئهم من عند اللّه.
وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟!
و هذا سؤال المحجوب عن نور اللّه و حكمته، المقطوع الصّلة بسنّة اللّه و تدبيره. ثمّ هو سؤال من لا يرجو للّه وقارا، و لا يتأدّب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرّفات الربّ. يقولونها في جهل و قصور في صيغة الاعتراض و الاستنكار، أو في صورة التشكيك و إيجاد البلبلة في نفوس الضعفاء!
هنا يجيئهم الجواب في صورة تهديد و تحذير بما وراء المثل من تقدير و تدبير:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.
و اللّه- سبحانه- يطلق الابتلاءات و الامتحانات تمضي في طريقها، و يتلقّاها عباده، كلّ وفق طبيعته و استعداده، و كلّ حسب طريقه و منهجه الّذي اتّخذه لنفسه. و الابتلاء واحد. و لكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج و الطريق. فالشدّة تزيد المؤمن الواثق باللّه التجاء إليه و تقرّبا لديه، و أمّا الفاسق أو المنافق فتزلزله و تزيده من اللّه بعدا و تخرجه من الصفّ إخراجا.
*** و تبيينا لموضع الفاسق الّذي يأخذ به الضلال حيث مهوى الخسران و الدمار، جاء الوصف التالى: