التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - مقاصد سورة البقرة و أهدافها
إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين به حقّا.
*** و عند هذا الحدّ يبدأ سياق السورة يتّجه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى الجماعة المسلمة من حوله، حيث يأخذ في وضع الأسس الّتي تقوم عليها حياة هذه الجماعة المستخلفة على دعوة اللّه في الأرض، و في تمييز هذه الجماعة بطابع خاصّ، و بمنهج في التصوّر و في الحياة خاصّ.
و يبدأ في هذا بتعيين القبلة الّتي تتّجه إليها هذه الجماعة- ممتازة عن سائر الجماعات غير المهذّبة- و هو أوّل حجر أساسي لهذا الامتياز و الانفصال عن المفترقات. ثمّ تمضي السورة في بيان المنهج الربّاني لهذه الجماعة المسلمة، منهج التصوّر و العبادة، و منهج السلوك و المعاملة. و منهج الكفاح الحرّ في سبيل تثبيت الدعوة و انتشارها في الأرض.
و في النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها، فيبيّن طبيعة التصوّر الإيماني و إيمان الأمّة المسلمة بالأنبياء كلّهم، و بالكتب كلّها و بالغيب و ما وراءه، مع السمع و الطاعة:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.[١]
و من ثمّ يتناسق البدء و الختام، و تتجمّع موضوعات السورة بين ضفّتين، من صفات المؤمنين و خصائص الإيمان[٢].
نقلنا كلامه بطوله- مع شيء من الاختزال و تصرّف يسير- لما فيه من الإجادة و الإفادة و حسن البيان.
*** قلت: و بحقّ كانت سورة البقرة مسرحا خصبا لتنمية جذور الدعوة و تثبيت أركانها شامخة إلى الأبد! إلى جنب تربية أمّة واعية، عارفة و حاذرة، عارفة بمصيرها و ما ينشطها في درب الحياة،
[١] البقرة ٢: ٢٨٥- ٢٨٦.
[٢] في ظلال القرآن ١: ٢٥- ٣٦.