التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢١ - سورة البقرة(٢) آية ٦
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ فلا تصل إليها حقيقة من الهدى و لا صدى.
وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ فلا نور يوصوص لها و لا ضياء، فقد طبع اللّه على قلوبهم و على سمعهم و غشي على أبصارهم، جزاء وفاقا على استهتارهم بالإنذار، حتّى تساوى لديهم الإنذار و عدم الإنذار، بل و معاكسة طبيعيّة لسوء تدبّرهم و سوء تصرّفهم في هذه الحياة. فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[١].
إنّها صورة صلدة، مظلمة، جامدة، ترتسم من خلال الحركة الثابتة الجازمة، حركة الختم على القلوب و الأسماع، و التغشية على العيون و الأبصار.
وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، و هي النهاية الطبيعيّة للكفر العنيد، الّذي لا يستجيب للنذير، و الّذي يستوي عنده الإنذار و عدم الإنذار، كما علم اللّه من طبعهم المطموس المغمور.
*** قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: نزلت في أبي جهل و في خمسة من قومه من قادة الأحزاب، قتلوا يوم بدر[٢]، في قول الربيع بن أنس. و اختاره البلخيّ و المغربيّ. و قال ابن عبّاس: نزلت في قوم بأعيانهم من أحبار اليهود، ذكرهم بأشخاصهم[٣] من اليهود حول المدينة. و قال قوم نزلت في مشركي العرب. و اختار الطبري قول ابن عبّاس[٤].
قال الشيخ: و الّذي نقوله: إنّه لا بدّ أن تكون الآية مخصوصة، لأنّ حملها على العموم غير ممكن، لأنّا علمنا أنّ في الكفّار من يؤمن، فلا يمكن العموم. و أمّا القطع على واحد ممّا قالوه فلا دليل عليه، و يجب تجويز كلّ واحد من هذه الأقوال[٥].
و قال سيّدنا الأستاذ العلّامة الطباطبائي: هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر و قد تمكّن الجحود من قلوبهم. و من ثمّ جاء وصفهم بمساواة الإنذار و عدمه فيهم. و لا يبعد أن يكون المراد من هؤلاء الّذين
[١] الصفّ ٦١: ٥.
[٢] سوى نفرين استسلما فيما بعد: أبو سفيان و الحكم بن أبي العاص( الدرّ ١: ٢٩).
[٣] راجع: الطبري( ١: ١٥٩/ ٢٤٥ و ٢٤٦).
[٤] و هو ما رواه عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في اليهود الّذين كانوا في نواحي المدينة.
[٥] التبيان ١: ٦٠.