التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - ما ذا يكون هذا العهد و الميثاق الذي أخذه الله على العباد؟
و غيره. و لذلك صحّ قوله: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[١].
و ثانيها: يحتمل أن يعني به ما دلّ عليه بقوله: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً[٢].
فلمّا لم يفعلوا ما حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده.
قال: و التأويل الأوّل يمكن فيه العموم في كلّ من ضلّ و كفر، و الثاني لا يمكن إلّا في من اختص بهذا الحلف. و بذلك يبدو رجحان التأويل الأوّل من وجهين: أحدهما: إمكان إجراء الآية على عمومها. و على الثاني يلزم التخصيص. و ثانيهما: أنّ على التقدير الأوّل يلزمهم الذمّ، لأنّهم نقضوا عهدا أبرمه اللّه و أحكمه بما أنزل من الأدلّة الّتي كرّرها عليهم في الأنفس و الآفاق و أوضحها و أزال اللبس عنها، و لما أودع في العقول من دلائلها و بعث الأنبياء و أنزل الكتب مؤكّدا لها. و أمّا على التقدير الثاني فإنّه يلزمهم الذمّ لأجل أنّهم تركوا شيئا هم بأنفسهم كانوا التزموه، و معلوم أنّ ترتيب الذمّ على الوجه الأوّل أولى.
و ثالث الوجوه: قال القفّال[٣]: يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوما من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد و الميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بيّن لهم أمره و أمر أمّته فنقضوا ذلك و أعرضوا عنه و جحدوا نبوّته.
و رابعها: قال بعضهم: إنّه عنى ميثاقا أخذه من الناس و هم على صورة الذرّ و أخرجهم من صلب آدم- على ما مرّ في كلام الطبري-.
قال: قال المتكلّمون: هذا ساقط، لأنّه تعالى لا يحتجّ على العباد بعهد و ميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذون بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو و النسيان، فكيف يجوز أن يوبّخهم على ذلك؟
و خامسها: عهد اللّه إلى خلقه في ثلاثة عهود: العهد الأوّل ما أخذه على جميع ذريّة بني آدم
[١] البقرة ٢: ٤٠.
[٢] فاطر ٣٥: ٤٢.
[٣] هو أبو بكر عبد اللّه بن أحمد الفقيه الشافعي، كان وحيد زمانه و له في مذهب الشافعي آثار ليست لغيره من أبناء عصره.
اشتغل بالتحصيل على الكبر بعد أن قضى شبيبته في صنع الأقفال و بذلك لقّب بالقفّال. و قد برع و مهر في مختلف العلوم حتّى طار صيته. و هو الّذي صلّى صلاة كذائيّة بمحضر السلطان محمود بن سبكتكين و كان حنفيّا فتحوّل إلى مذهب الشافعي، على ما ذكره الدميري و ابن خلّكان. توفّي سنة ٤١٧. راجع: الكنى و الألقاب للقمي ٣: ٧٨.