التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - ما ذا يكون هذا العهد و الميثاق الذي أخذه الله على العباد؟
وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ[١]. و نبذهم ذلك وراء ظهورهم هو نقضهم العهد الّذي عهد إليهم في التوراة، الّذي وصفناه، و تركهم العمل به.
قال: و إنّما قلت: إنّه عنى بهذه الآيات من قلت. لأنّ الآيات من ابتداء الآيات الخمس و الستّ من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم. و في الآية الّتي بعد الخبر عن خلق آدم و أبنائه في قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[٢]. و خطابه إيّاهم بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر، ما يدلّ على أنّ قوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ مقصود به كفّارهم و منافقوهم و من كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب و إن كان لمن وصفت من الفريقين، فداخل في أحكامهم و في ما أوجب اللّه لهم من الوعيد و الذمّ و التوبيخ، كلّ من كان على سبيلهم و منهاجهم من جميع الخلق و أصناف الأمم المخاطبين بالأمر و النهي.
فمعنى الآية إذن: و ما يضلّ به إلّا التاركين طاعة اللّه، الخارجين عن اتّباع أمره و نهيه، الناكثين عهود اللّه الّتي عهدها إليهم في الكتب الّتي أنزلها إلى رسله و على ألسن أنبيائه، باتّباع أمر رسوله محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جاء به، و طاعة اللّه في ما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس و عدم كتمانه. و نكثهم في ذلك و نقضهم إيّاه هو مخالفتهم للّه في عهده إليهم، بعد إعطاء ربّهم الميثاق بالوفاء، كما وصفهم به بقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَ إِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ[٣].[٤].
*** و ذكر الفخر الرازي وجوها في المراد بهذا الميثاق:
أحدها: أنّ المراد حججه القائمة على عباده الدالّة لهم على صحّة توحيده و صدق رسله، فكان ذلك ميثاقا و عهدا على التمسّك بالتوحيد، إذ كان يلزم بهذه الحجج ما ذكر من التمسّك بالتوحيد
[١] آل عمران ٣: ١٨٧.
[٢] البقرة ٢: ٤٠.
[٣] الأعراف ٧: ١٦٩.
[٤] الطبري ١: ٢٦٤- ٢٦٥.