التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - ما ذا يكون هذا العهد و الميثاق الذي أخذه الله على العباد؟
و نقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته و إنكارهم ذلك و كتمانهم علم ذلك عن الناس بعد إعطائهم اللّه من أنفسهم الميثاق ليبيّننّه للناس و لا يكتمونه، فأخبر اللّه- جلّ ثناؤه- أنّهم نبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا.
و قال بعضهم: إنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك و الكفر و النفاق و عهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلّة على ربوبيّته و عهده إليهم في أمره و نهيه ما احتجّ به لرسله من المعجزات الّتي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم.
قالوا: و نقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبيّنت لهم صحّته بالأدلّة و تكذيبهم الرسل و الكتب مع علمهم أنّ ما أتوا به حقّ.
و قال آخرون: العهد الّذي ذكره اللّه- جلّ ذكره- هو العهد الّذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الّذي وصفه في قوله: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ[١]. و نقضهم ذلك ترك الوفاء به.
قال أبو جعفر: و أولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: إنّ هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الّذين كانوا بين ظهرانيّ مهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما قرب منها من بقايا بني إسرائيل و من كان على شركه من أهل النفاق، الّذين قد بيّنّا قصصهم. و قد دلّلنا على أنّ قول اللّه- جلّ ثناؤه-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ... و قوله: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... فيهم أنزلت و في من كان على مثل الّذي هم عليه من الشرك باللّه، غير أنّ هذه الآيات عندي و إن كانت فيهم نزلت فإنّه معنيّ بها كلّ من كان على مثل ما كانوا عليه من الضلال، و معنيّ بما وافق منها صفة المنافقين، خاصّة جميع المنافقين، و بما وافق منها صفة كفّار أحبار اليهود جميع من كان لهم نظيرا في كفرهم. و ذلك أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- يعمّ أحيانا جميعهم بالصفة، لتقديمه ذكر جميعهم في أوّل الآيات الّتي ذكرت قصصهم، و يخصّ أحيانا بالصفة بعضهم لتفصيله في أوّل الآيات بين فريقيهم، أعني فريق المنافقين من عبدة الأوثان و أهل الشرك باللّه، و فريق كفّار أحبار اليهود. فالّذين ينقضون عهد اللّه هم التاركون ما عهد اللّه إليهم من الإقرار بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بما جاء به و تبيين نبوّته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعد علمهم به و بما قد أخذ اللّه عليهم في ذلك، كما قال اللّه- جلّ ذكره-:
[١] الأعراف ٧: ١٧٢.