منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٠٠ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
و أذى الجاهليّة، و مصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره اللّه تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- و حكّمه فيهم و هم لا يشكّون في استئصال شأفتهم، و إبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا ...
مكابدتهم و معارضتهم و مخالفتهم (و أذى الجاهليّة) أي: و تأذّيه من أهل جاهليّتهم و سفاهتهم، (و مصابرة الشدائد) أي: مغالبة المحن (الصّعبة) أي: الشّاقّة (معهم) في الحروب الواقعة بينه و بينهم، و هي؛ و إن كانت سجالا؛ إلّا أنّه صبّ عليهم العذاب.
فالمصابرة: مفاعلة؛ من الصبر عن شدائد الحروب، و هم صناديد و أبطال كان لهم صبر على اصطلاء نارها، لكنه (صلّى اللّه عليه و سلم) غلبهم و صابرهم و زاد عليهم.
(إلى أن أظفره اللّه تعالى) بهم، و في نسخة: أظهره اللّه (عليهم- يعني:
بفتح مكّة- و حكّمه فيهم)- بتشديد الكاف-، أي: جعله اللّه تعالى قاهرا غالبا لهم، و هم في قبضة تصرّفه؛ يحكم فيهم بما يريد من قتل و أسر و عفو؛ إن شاء (و هم لا يشكّون)؛ أي: لا يتردّدون، بناء على زعمهم و قياسا على أنفسهم (في استئصال)؛ هو: قطع الشيء من أصله و إزالته بالكليّة (شأفتهم)- بفتح شين معجمة، فسكون همزة، ففاء؛ تليها هاء تاء تأنيث، و تبدل الهمزة ألفا- أي:
جمعهم و قطع أثرهم.
و الشّأفة- في الأصل-: قرحة تخرج للإنسان في أسفل القدم؛ فتكوى فتذهب فهم يقولون في المثل «استأصل اللّه شأفته» أي: أذهبه كما أذهبها، (و إبادة)- بكسر الهمزة و بالدال المهملة- مصدر بمعنى: الإهلاك (خضرائهم)- بفتح الخاء المعجمة، و سكون الضّاد المعجمة؛ بعدهما راء، فألف ممدودة- (أي: إهلاك جماعتهم) و تفريق جمعهم.
و المعنى: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ظفر بهم في حال تيقّنوا هلاكهم بأسرهم؛ و ذهابهم عن آخرهم، بحيث لا يبقى منهم باقية (فما زاد) صلى اللّه عليه و سلم (على أن عفا): تجاوز عن