منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٥٧ - الفصل الخامس في صفة شرابه
..........
و هذا يؤيّد الجواز بلا كراهة، و قد صحّ: «عليكم بسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنّواجذ»، و «و اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر»!!.
قال صاحب «المفهم»: لم يذهب أحد إلى أنّ النّهي في الحديث للتّحريم، و لا التفات لابن حزم! و إنّما حمل على الكراهة؛ و الجمهور على عدمها، فمن السّلف الخلفاء الأربعة، ثمّ مالك؛ تمسّكا بشربه [صلى اللّه عليه و سلم] من زمزم قائما، و كأنّهم رأوه متأخّرا عن النّهي، فإنّه في حجّة الوداع؛ فهو ناسخ، و حقّق ذلك فعل خلفائه بخلاف النّهي، و يبعد خفاؤه عليهم مع شدّة ملازمتهم له و تشدّدهم في الدّين.
و هذا؛ و إن لم يصلح دليلا للنّسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين!! انتهى.
و أجاب المالكية عن حديث أبي هريرة: «لا يشربنّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقئ» بأجوبة منها: قول المازري: قال بعض شيوخنا: «لعلّ النّهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء، فبادر لشربه قائما»!! قال: و أيضا فالأمر بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم أنّه ليس على أحد أن يستقي، قال: و الأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدلّ على الجواز، و أحاديث النّهي تحمل على الاستحباب، و الحثّ على ما هو أولى و أكمل؛ لأنّ في الشّرب قائما ضررا ما، فكره من أجله.
و فعله (صلّى اللّه عليه و سلم)!! لأمنه من الضّرر الحاصل لغيره، قال: و على هذا الثّاني يحمل قوله: «فمن نسي فليستقئ» على أنّ ذلك يحرّك خلطا يكون القيء دواءه، و عليه فالنّهي طبّي إرشاديّ.
و يؤيّده قول إبراهيم النّخعي: «إنّما نهى عن ذلك لداء البطن»!. انتهى كلام المازري.
قال ابن القيّم: و للشّرب قائما آفات عديدة؛
منها: أنّه ينزل بسرعة إلى المعدة؛ فيخشى منه أن يبرّد حرارتها.
و منها: أنّه يسرع النّفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج؛ لعدم استقراره في المعدة، و كلّ هذا يضرّ بالشّارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضرّه، و كذا لحاجة!