منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٢ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
من رطبه و بسره. فأكلوا و شربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذا- و الّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ...
فتأخذوا الخيّر (من رطبه و بسره) أي: تارة من رطبه، و أخرى من بسره، بحسب اشتهاء الطبع، أو بحسب اختلاف الأمزجة في الميل إلى أحدهما، أو إليهما جميعا.
(فأكلوا) أي من ذلك القنو، (و شربوا من ذلك الماء). زاد في رواية مسلم: «حتى شبعوا»، و هو دليل على جواز الشبع، و محلّ كراهته في الشبع المثقّل للمعدة، المبطّئ بصاحبه عن العبادة.
(فقال) أي: (النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «هذا) أي المقدّم لنا (و) اللّه (الّذي نفسي بيده) أي: بقدرته فيتصرّف فيها كيف يشاء، و وسّط القسم بين المبتدأ و الخبر!! لتأكيد الحكم (من النّعيم)؛ أي: التنعم (الّذي تسألون عنه)- بالبناء للمجهول-، و هذا ناظر لقوله (عليه الصلاة و السلام) في موضع آخر: «حلالها حساب، و حرامها عقاب» (يوم القيامة)، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) [التكاثر] أي: عن القيام بحقّ شكره، أو تعداد النّعم و الامتنان بها، و إظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال تقريع و توبيخ و محاسبة.
و المراد أن كلّ أحد ليسأل عن نعيمه الذي كان فيه: هل ناله من حلّه و وجهه أم لا؟! فإذا خلص من هذا سئل: هل قام بواجب الشّكر، فاستعان به على الطّاعة أم لا؟. فالأول سؤال عن سبب استخراجه، و الثاني عن محل صرفه؛ ذكره ابن القيم.
و إنما ذكر (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك في ذلك المقام!! إرشادا للآكلين و الشاربين، إلى حفظ أنفسهم في الشبع من الغافلة؛ باشتغال أحدهم بحديقته، و نعيمه عن تدبّر الآخرة، و النعيم: كلّ ما يتنعّم به؛ أي: يستطاب و يتلذذ به.