منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٧٨ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
و إن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع ...
و قد اختلف هل الغنيّ الشّاكر خير أم الفقير الصابر؟!
فذهب إلى كلّ منهما قوم من العلماء، و لكلّ منهم أدلّة مبسوطة في محلّها.
و للعلامة الحافظ محمد بن أبي بكر بن قيّم الجوزية الحنبلي (رحمه الله تعالى) كتاب «عدة الصابرين» ذكر فيه هذه المسألة بأدلّتها من الجانبين. فليراجع.
و قال الإمام حجّة الإسلام الغزالي (رحمه الله تعالى): قد انكشف أنّ الفقر هو الأفضل لكافّة الخلق؛ إلا في موضعين:
١-: غنى يستوي فيه الوجود و العدم، و يستفاد به دعاء المساكين و قضاء حوائجهم، كغنى بعض الصحابة (رضي الله تعالى عنهم).
و ٢- فقر يكون مع الضرورة حتى يكاد يكون كفرا؛ فالأول خير محض، و هذا لا خير فيه بوجه من الوجوه.
و الممدوح غنى النّفس؛ لا غنى المال من حيث هو، و الفضل كلّه في الكفاف، و الاقتصار على مقدار الحاجة، و لذا طلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) له و لآله. انتهى. نقله الخفاجيّ (رحمه الله تعالى).
(و إن) مخفّفة من الثقيلة، أي: و إنّه (كان ليظلّ)- بفتح الظاء المعجمة و تشديد اللام- أي: يكون في طول النّهار (جائعا)- بهمزة مكسورة- (يلتوي)- بتقديم اللّام على التاء الفوقية، و واو مخففة مكسورة- و في نسخة من «الشّفاء»:
و يتلوّى- بياء مثنّاة مفتوحة و فوقية مفتوحة، و لام كذلك، و واو مشددة مفتوحة، يليها ألف- أي: حال كونه يتقلب و يضطرب (طول ليلته من الجوع)؛ أي: من أجل حرارة لذعته، و لذا ورد «اللّهم؛ إنّي أعوذ بك من الجوع، فإنّه بئس الضّجيع» كما رواه الحاكم في «مستدركه» عن ابن مسعود مرفوعا، و هذا كله لكمال زهده في الدّنيا، و صبره على مشاقّها، و إقبال قلبه على الأخرى؛ لرضى المولى و ليرشد أمّته لذلك.