منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١٣ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
..........
فننزل، ثمّ نغوّر ما وراءه، و نبني عليه حوضا و نملؤه، ثم نقاتل؛ و نشرب و لا يشربون. فقال: «أشرت بالرّأي» و رجع (صلّى اللّه عليه و سلم) لما قاله؛
و كذا في قصة أسارى بدر و الفداء، و كذا في قصة تأبير النخل، و نحوه مما لا حاجة للتطويل بذكره هنا!
و أجاب التجاني: بأنّ رجحان رأيه على من سواه مخصوص بما أمضاه من سنن الشرع؛ و اجتهاداته في أمور الدين، فلا ينافي رجوعه في آراء الدنيا لغيره؛ كما صرّح به في قصة التأبير، إذ قال: «إنّما أنا بشر مثلكم؛ فإذا أمرتكم بشيء من دينكم؛ فخذوا به، و إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر أخطئ و أصيب» و هذا نصّ فيما ذكر.
و ردّ بأنّ مختار أهل الأصول: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان متعبّدا فيما لا وحي فيه بانتظار الوحي، ثم بالاجتهاد بعد وقت الانتظار. و قيل: له الاجتهاد مطلقا في الأمور الشرعية و الدنيوية. و هذا مذهب مالك و أحمد و الشافعي، و هو المنقول عن أبي يوسف و غيره.
و اختلف في جواز خطئه في اجتهاده؛ فذهب الإمام الرازيّ و غيره إلى أنّه لا يجوز. و في «التوضيح»: يجوز؛ لكن لا يقرّر عليه. و عدم الإقرار بالإجماع؛ لوجوب اتّباعه المقتضي لعصمته، و جواز الخطأ عقلا لا مانع منه؛ بمقتضى البشرية. و قوّة عقله (صلّى اللّه عليه و سلم) و كمال حدسه و سداد رأيه لا ينافيه؛ لأنه من لوازم الطبيعة البشرية، و إذا جاز سهوه في صلاته و مناجاته؛ ففي غيرها بالأولى! فقول التجاني «إنّ جميع أموره الدينية صواب» خلاف المختار عند علماء الأصول.
و حينئذ فمعنى كونه أفضل الناس رأيا و اجتهادا مع جواز الخطأ أحيانا:
أنّ رأيه لو خلّي و نفسه؛ أصاب، مع رجحان رأيه بعدم التقرير عليه إذا خالف الأولى. و آراؤه (صلّى اللّه عليه و سلم) كلّها صواب بعد التقرير عليها، و قبله لا. إلا على قول من يقول: «كل مجتهد مصيب».