منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٥٢ - الفصل الخامس في صفة شرابه
فإن شئت آثرت بها خالدا».
بمن على يمينه؛ و لو صغيرا مفضولا، و تأخير من على اليسار؛ و لو كبيرا فاضلا!! بل ذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك، فقال: لا تجوز البداءة بغير الأيمن إلّا بإذنه.
فإن قيل: يعارض ما تقدّم ما رواه أبو يعلى؛ عن الحبر ابن عبّاس بإسناد صحيح: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا سقى قال: «ابدءوا بالأكبر» أو قال: بالأكابر».
أجيب: بأنّ ذلك محمول على ما إذا لم يكن عن يمينه أحد، بل كان الجميع أمامه؛ أو وراءه.
(فإن شئت آثرت بها خالدا»)- بفتح التّاء فيها و مدّ الهمزة-؛ من آثرت.
يقال: آثرته- بالمدّ-: فضّلته و قدّمته، لأنّ الإيثار معناه: التّفضيل و التّقديم، و أما استأثر بالشّيء! فمعناه: استبدّ به؛ كما في «المصباح» و غيره.
و في تفويض الإيثار إلى مشيئته تطييب لخاطره، و تنبيه على أنّه ينبغي له إيثار خالد؛ لكونه أكبر منه.
و هذا ليس من الإيثار في القرب المكروه، على أنّ الكراهة محلّها حيث آثر من ليس أحقّ منه؛ بأن كان مساويا له و أقلّ منه، أمّا إذا آثر من هو أحقّ منه!! كأن آثر من هو أحقّ منه بالإمامة!! فليس مكروها.
فإن قيل: قد استأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الأيمن في هذا الخبر، و لم يستأذن أعرابيّا عن يمينه؛ و الصّدّيق عن يساره في قصة نحو هذه!؟.
أجيب: بأنّه إنّما استأذن هنا ثقة بطيب نفس ابن عباس بأصل الاستئذان، لا سيّما و خالد قريبه، مع رئاسته في قومه، و شرف نسبه بينهم، و قرب عهده بالإسلام، فأراد (صلّى اللّه عليه و سلم) تطييب خاطره، و تألّفه بذلك.
و أمّا الصّدّيق- (رضي الله تعالى عنه)- فإنّه مطمئنّ الخاطر؛ راض بكل ما يفعله المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم)، لا يتغيّر و لا يتأثّر، و لا ينقص ذلك بمقام الصّدّيق، و لا يخرجه عن فضيلته الّتي أولاه اللّه إيّاها، لأنّ الفضيلة إنّما هي فيما بين العبد و ربّه، لا فيما بينه و بين الخلق.