المناظر الناضرة في أحکام العترة الطاهرة (الصلاة) - علوی گرگانی، محمدعلی - الصفحة ٣٤٧
وبعبارة أخرى: مفاد هذا التعليل هو أنّه لا مدخليّة للبريد من حيث هو في حكم وجوب التقصير، بل المدار على المسافة التي يقطعها في سفره، وأنّها يجب أنْ تكون بريداً؛ فإذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد حقّق مجموع ذهابه ورجوعه مناط التقصير، ومقتضى العلّة المنصوصة ثبوت هذا الحكم في كلّ موردٍ تحقّق هذا المناط، كما لو ذهب ثلاثة فراسخ ورجع خمسة أو بالعكس.
أقول: ولكن نستكشف من التأمّل في أخبار البريد، أنّ السبب الّذي يوجب التقصير، هو أنّه لايُسمّى الماشي مسافراً، ولا يحكم عليه بحكمه الاّ أن يكون ذهابه إلى أربعة فراسخ، سواءٌ قصد الرجوع ليومه أم لم يقصد، كما أشار إلى ذلك في بعض الأخبار، من كون البريد له مدخليّة في تحقّق التقصير، فلو كان أقلّ من ذلك لم يترتّب عليه حكم وجوب التقصير.
بل في «مصباح الفقيه» أنّ من أراد دليلاً أوضح من ذلك على مدخليّة مسافة البريد في حدّ التقصير، عليه أن يلاحظ رواية فضل بن شاذان، فقد جاء فيه قوله ٧: «إنّما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك، لأنَّ ما تقصر فيه الصلاة بريد ذاهباً وبريد جائياً، والبريد أربعة فراسخ، فوجَبَت الجمعة على من هو على نصف البريد، الَّذي يجب فيه التقصير، وذلك لأنّه يجيئُ فرسخين ويرجع فرسخين، وذلك أربعة فراسخ، وهو نصف طريق المسافر»(١)، إلى غير ذلك من الروايات المشعرة أو الظاهرة في أَنَّ لخصوصيّة، كون البريد ذاهباً وجائياً، مدخليّةً في سفر التقصير.
ولكن مع ذلك كلّه، لا
يبعد أن يُدّعى أَنَّ ظهور الروايات المتقدّمة المشتملة على التعليل بالبريدين،
وشغل اليوم، في إناطة الحكم بمجموع البريدين من حيث
----------------------------
(١) الوسائل: الباب ٢ من أبواب صلاة المسافر، ح ١٨.