المناظر الناضرة في أحکام العترة الطاهرة (الصلاة) - علوی گرگانی، محمدعلی - الصفحة ٤٧٥
فعن الأوّل: بأنَّ حمله على الاستحباب موجبٌ لارتكاب التصرّف في ظاهر مجموع الروايات المتعارضة، بغير شاهدٍ خارجي، وهو مشكلٌ.
وعن الثاني: وهو الحمل على الإقامة في الحرمين، فهو وإن كان بعيداً في حدّ ذاته، ولكن ربّما يُقرّبه استشعار التورية والتقيّة من سَوْق العبارة، كما يؤيّده أيضاً الخبر الآتي، مضافاً إلى حكاية القول بها عن بعض العامّة، فلا يبعد أن يكون المراد بالمشار إليه، ولو من باب التورية، ما رواه محمّد بن مسلم، في ذيل صحيحته المتقدّمة، أنّه قال: «ولا يتمّ في أقلّ من عشرة أيّام إِلاَّ بمكّة والمدينة، وإن أقام بمكّة والمدينة خمساً فليتمّ»(١).
بل قد يستفاد من خبر «العلل» في الصحيح، عن معاوية بن وهب، قال:
«قلتُ لأبي عبداللّه ٧: مكّة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم، قلت: روى عنك بعض أصحابنا، أنّك قلت لهم: أتمّوا بالمدينة لخمس؟ فقال: إنّ أصحابكم هؤلاء كانوا يَقْدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة، فكرهتُ ذلك لهم، فلذا قلته»(٢).
أقول: إنّ حكم التمام في
مكّة والمدينة كانت لأجل التقيّة، ومراعاة اجتماع العامّة، وأن لا تخالف الأصحاب
معهم في جماعتهم، بإتيان الصلاة تامّةً، فمع وجود ذلك لا يبقى وجه للحكم بوجوب
التمام، بل لا الاستحباب، من جهة حكم التخيير في البلدين، غاية ما يمكن المساعدة
عليه، هو حمل الأمر بالإتمام الوارد في الصحيحة، على تأكّد الاستحباب، الغير
المنافي للالتزام بأنَّ التمام في مواضع التخيير مطلقاً أفضل، فضلاً عن أنّه أوفق
بقاعدة التسامح.
--------------------
(١) الوسائل، الباب ١٥ من أبواب صلاة المسافر، ح ١٦.
(٢) الوسائل، الباب ٢٥ من صلاة المسافر، الحديث ٢٧.