ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٨٥ - ١٦ - كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيء
فهذا سر تجليه تعالى في الجملة و اللّه تعالى أعلم.
فذلكة: حاصل ما اشتمل عليه هذا الباب من أول الكتاب ثلاثة أمور:
عمل الشريعة، و الطريقة، و الحقيقة، أو تقول: عمل الإسلام، و الإيمان، و الإحسان، و هي البداية، و الوسط، و النهاية، و من علامة النجح في النهاية الرجوع إلى اللّه في البداية، فأمرك بالرجوع إليه و الاعتماد عليه، دون الاعتماد على العمل مع وجود العمل، ثم دلك على الأدب في حال التجريد و الأسباب، ثم نهاك في حالة المسير عن شغل باطنك بكد التدبير، فإنه سبب التكدير، ثم أنهضك إلى الاجتهاد في الأعمال المطلوبة منك مع التقصير فيما هو مضمون لك ليكون سببا في فتح بصيرتك، و من جملة ما هو مضمون ما تطلبه بدعائك، فلا تستعجل ما تأخر عن وقته و لا تيأس من رحمته، و إذا وعدك بشيء فلا تشك في وعده و لا تتهمه فيما ينزل بك من تعرفاته و قهره، فهذه أعمال أهل البدايات، اختلفت أجناسها باختلاف أحوالهم، فقوله: «من علامة الاعتماد على العمل» إلى قوله: «الأعمال صور قائمة» كله من عمل الشريعة الذي هو مقام الإسلام، و قوله: الأعمال صور قائمة إلى قوله: «الكون كله ظلمة» هو من عمل الطريقة الذي هو مقام الإيمان، و مداره على تخليص الباطن و تهذيبه، فأمرك بالإخلاص و الصدق و هو سر الإخلاص، و الخمول لأنه محله و مظهره، و العزلة لتتمكن من الفكرة و تصفية مرآة القلب من صور الأكوان لتتهيأ لإشراق شموس العرفان، ثم فتح لك الباب و رفع عنك الحجاب و قال لك: ها أنت و ربك و هو قوله: «الكون كله ظلمة» إلى آخر الباب، فقد قطع لك توهم الحجاب من جميع الوجوه، فجزاه اللّه أحسن جزائه و متعه برضوانه مع أنبيائه و أحبائه و خرطنا في سلكهم مع كافة الأحباب أمين.