ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٨٣ - ١٦ - كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيء
قلت: و هذا هو العاشر، فالوجود و العدم ضدان لا يجتمعان، و الحادث و القديم متنافيان لا يلتقيان، و قد تقرر أن الحق واجب الوجود و كل ما سواه عدم على التحقيق، فإذا ظهر الوجود انتفي ضده، و هو العدم، فكيف يتصور أن يحجبه و هو عدم، فالحق لا يحجبه الباطل قال تعالى: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢]، فلا وجود للأشياء مع وجوده فانتفى القول بالحلول إذ الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية، و الفرض أن السوي عدم محض، فلا يتصور الحلول، و إلى هذا أشار في العينية بقوله:
|
و نزّهه في حكم الحلول فما له |
سوى و إلى توحيده الأمر راجع |
|
و القديم و الحادث لا يلتقيان، فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث و بقي القديم. قال رجل بين يدي الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: الحمد للّه و لم يقل رب العالمين. فقال له الجنيد: كمله يا أخي. فقال له الرجل: و أي قدر للعالمين حتى يذكروا معه. فقال الجنيد: قله يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحادث و بقي القديم انتهى. فقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم، إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم، فانتفى القول بالاتحاد، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث، فيتحدان حتى يكونا شيئا واحدا و هو محال، إذ هو مبني أيضا على وجود السوى و لا سوى. و قد يطلقون الاتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض:
|
و هامت بها روحي بحيث تمازجا |
اتحادا و لا جرم تخلّله جرم |
|
فأطلق الاتحاد على اتصال الروح بأصلها بعد صفائها، و لذلك قال بعده:
و لا جرم تخلله إلخ، فتحصل أن الحق سبحانه واحد في ملكه قديم أزلي باق أبدي منزه عن الحلول و الاتحاد مقدس عن الشركاء و الأضداد، كان و لا أين و لا مكان، و هو الآن على ما عليه كان.