ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٨٠ - ١٦ - كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيء
كل شيء فلم يحجبه شيء عن شيء، قال اللّه تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤]، يقول بلسان حاله سبحان المتجلي لكل شيء الظاهر بكل شيء يفقهه العارفون و يجهله الغافلون، ثم ذكر الخامس فقال:
[كيف يتصوّر أن يحجبه شيء و هو الظاهر قبل وجود كلّ شيء؟].
فكل ما ظهر فمنه و إليه فكان في أزله ظاهرا بنفسه، ثم تجلى لنفسه بنفسه، فهو الغني بذاته عن أن يظهر بغيره أو يحتاج إلى من يعرفه غيره، فالكون كله مجموع و الغير عندنا ممنوع، ثم ذكر السادس فقال:
[كيف يتصوّر أن يحجبه شيء و هو أظهر من كلّ شيء؟]. إذ لا وجود للأشياء مع وجوده، و لا ظهور لها مع ظهوره، و على تقدير ظهورها، فلا وجود لها من ذاتها، فلو لا ظهوره في الأشياء ما وقع عليها أبصار:
|
من لا وجود لذاته من ذاته |
فوجوده لولاه عين محال |
|
فالعبد في حالة الحجاب تكون نفسه وجودها عنده ضروريا، و وجود الحق تعالى عنده نظريا، فإذا عرف الحق و فني عن نفسه و تحقق بزوالها صار عنده وجود الحق ضروريا و وجود نفسه نظريّا، بل محال ضرورة. قال أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه: إنا لننظر إلى اللّه ببصر الإيمان و الإيقان فأغنانا عن الدليل و البرهان، و إنا لا نري أحدا من الخلق، فهل في الوجود أحد سوي الملك الحق؟ و إن كان و لا بد فكالهباء في الهواء إن فتشتهم لم تجدهم شيئا انتهى. زاد في «لطائف المنن»، و من أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إلى اللّه! فليت شعري، هل لها وجود معه حتى توصل إليه؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له؟ و إن كانت الكائنات موصلة له فليس ذلك لها من حيث ذاتها، لكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل، فوصلت، فما وصل إليه غير إلهيته، و لكن الحكيم هو واضع الأسباب، و هي لمن وقف معها و لا ينفذ إلى قدرته عين الحجاب فظهور الحق أجلى من كل ما ظهر، إذ هو السبب في ظهور