ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٧٩ - ١٦ - كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيء
يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف؟ عجبت لمن يبغي عليك شهادة، و أنت الذي أشهدته كل شاهد، ثم ذكر الثاني فقال: [كيف يتصوّر أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر بكل شيء]. بباء الجر أي تجلّى بكل شيء، فلا وجود لشيء مع وجوده، فكيف يحجبه شيء، و الغرض أن لا شيء.
قال صاحب العينية رضي اللّه تعالى عنه:
|
تجليت في الأشياء حين خلقتها |
فها هي ميطت عنك فيها البراقع |
|
ثم ذكر الثالث فقال: [كيف يتصوّر أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر في كلّ شيء؟]. بقدرته و حكمته، القدرة باطنة و الحكمة ظاهرة، [أو تقول: بجمعه و فرقه، الجمع باطن، و الفرق ظاهر[١]].
فالوجود كله بين قدرة و حكمة، و بين جمع و فرق، و قد تقدم قول بعضهم:
ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه أي: بقدرته و حكمته، فلولا ظهور أنوار الصفات ما عرفت الذات، و لو لا الحس ما قبضت المعنى، و لو لا الكثيف ما عرفت اللطيف، و للششتري رحمه اللّه تعالى: محبوبي قد عم الوجود، و قد ظهر في بيض و سود، و في النصاري مع اليهود، و في الخنازير مع القرود، و في الحروف مع النقط، أفهمني قط أفهمني قط[٢]، ثم قال: عرفته طول الزمان، ظهر لي في كل أوان، و في المياه و في الدلوان، و في الطلوع و في الهبوط، افهمني قط افهمني قط، ثم ذكر الرابع فقال: [كيف يتصوّر أن يحجبه شيء و هو الظاهر لكلّ شيء؟]. بلام الجر أي المتجلي لكل شيء بأسرار ذاته و أنوار صفاته. و لما تجلى لكل شيء و عرفه في الباطن كل شيء و سبح بحمده
[١] - ما بين[] زيادة من الأصل.
[٢] - و لا يتهم أحد السادة الصوفية بالحلول أو الانحاد بسبب هذه الأشعار إلا و في قلبه مرض عضال و إلا فكيف ينكر ذو عقل أن اللّه تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه الواحد: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ[ فصلت: ٥٣].