ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٤ - ١٣ - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته
«و منطبعة» أي ثابتة و انطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه، و «المرآة» بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها، فكلما قوي صقلها قوي ظهور ما يقابلها فيها، و استعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها و قبيحها.
قلت: جعل اللّه سبحانه قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كل ما يقابلها و ليس لها إلا وجهة واحدة، فإذا أراد اللّه عنايته بعبد أشغل فكرته بأنوار ملكوته و أسرار جبروته، و لم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية و الخيالات الوهمية، فانطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان و الإحسان، و أشرقت فيها أقمار التوحيد و شموس العرفان، و إلى ذلك أشار الششتري في بعض أزجاله بقوله:
|
اغمض الطرف ترى |
و تلوح أخبارك |
|
|
و افن عن ذي الورى |
تبدو لك أسرارك |
|
|
و بصقل المرا |
به يزول إنكارك |
|
ثم قال:
|
الفلك فيك يدور |
و يضيء و يلمع |
|
|
و الشموس و البدور |
فيك تغيب و تطلع |
|
أي و بصقل مرآة قلبك يزول إنكارك للحق فتعرفه في كل شيء، فيصير قلبك قطب فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد و شموس العرفان، و إذا أراد اللّه تعالى خذلان عبد بعدله و حكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية و الشهوات الجسمانية، فانطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه، فانحجب بظلماتها الكونية و صورها الخيالية عن إشراق شموس العرفان و أنوار الإيمان، فكلما تراكمت فيها صور الأشياء انطمس نورها، و اشتد حجابها، فلا ترى إلا الحس و لا تتفكر إلا في الحس، فمنها ما يشتد حجابها و ينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من