ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٣ - ١٣ - كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته
و إن أكيس الناس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت.» و قال كعب: من أراد شرف الآخرة فليكثر من التفكر. و كان أفضل عبادة أبي الدرداء التفكر و ذلك لأنه يصل به إلى حقائق الأشياء و يتبين الحق من الباطل و يطّلع بها أيضا على خفايا آفات النفوس و مكائدها و غرور الدنيا و يتعرف بها وجوه الحيل في التحرز عنها و الطهارة منها. قال الحسن رضي اللّه تعالى عنه: الفكرة مرآة تريك حسنك من سيّئك و يطلع بها أيضا على عظمة اللّه و جلاله إذا تفكر في آياته و مصنوعاته و يطلع بها أيضا على آلائه و نعمائه الجلية و الخفية، فيستفيد بذلك أحوالا سنية يزول بها مرض قلبه، و يستقيم بها على طاعة ربه قاله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه فهذه ثمرات عزلة أهل البداية.
و أما أهل النهاية: فعزلتهم مصحوبة معهم و لو كانوا وسط الخلق لأنهم أقوياء رضي اللّه عنهم محجوبون بالجمع عن الفرق و بالمعنى عن الحس استوي عندهم الخلوة و الخلطة لأنهم يأخذون النصيب من كل شيء و لا يأخذ النصيب منهم شيئا و في هذا المعنى: قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه:
|
الخلق نوار و أنا أرعيت فيهم |
هم الحجب الأكبر و المدخل فيهم |
|
فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت و الجوع و السهر فقد كملت ولايته و ظهرت عنايته، و أشرقت عليه الأنوار، و انمحت من مرآة قلبه صور الأغيار، و قد أشار [الشيخ[١]] إلى بعض ذلك متعجبا من ضده فقال:
١٣- كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته[٢].
«يشرق» بضم الياء: أي يستنير و يضيء، «و صور الأكوان» أشخاصها، و تماثيلها الحسية و المعنوية، «و الأكوان» أنواع المخلوقات دقّت أو جلّت،
[١] - الزيادة من: المطبوع
[٢] - هذه الحكمة و ما يليها إلى الحكمة السادسة عشرة حكمة واحدة و إنما فصل بينها الشارح قدس سره.