ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٣ - ٣٥٨ - إلهي إنك تعلم و إن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما، فقد دامت محبة و عزما
يداوم على العمل، و لا يتكل عليه، فإنه إن لم يقدر على مداومته بالفعل، فبالمحبة و العزم كما بين ذلك في المناجاة الخامسة عشرة بقوله:
٣٥٨- إلهي إنك تعلم و إن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما، فقد دامت محبة و عزما.
قلت: طاعة العبد لربه يجب أن تكون فعلا و محبة و عزما في كل لحظة و وقت، فإن لم يقدر على ذلك فليعزم على البر و التقوى، و ينو فعل الخيرات، فنية المؤمن خير من عمله إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال: ٧٠] أي يعطيكم أفضل مما أخذ منكم من مال أو عمل. و قال بعضهم: الفعل الجزم هو وجود العمل و المحبة، و العزم هو التوجه للعمل، و كم من متوجه لم يلحق؟ و كم من مجد لم يسبق؟ و لكن في العزم ظهرت الحقائق و به جاءت الشرائع، و ليس على العبد إلا القصد و الجد و العزم، و أما نفوذه فقد يقدر و قد لا يقدر وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [يوسف: ٢١]، و المراد بالعزم:
القصد، و النية هي توجه القلب للأمر المطلوب، انتهى. و اعلم أن متابعة العلم اختيارية، و متابعة الحال اضطرارية، فما دام العبد معه بقية اختيار وجب عليه اتباع العلم و هو مقام السلوك، فإن غلب الحال وجب اتباعه، و هو مقام الجذب، و مثل ذلك قضية الصدّيق حين أتى بماله كله فقال له الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم اللّه و رسوله[١]». و لم يلتفت لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم في حال التشريع: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس[٢]».
و لما غلب الحال على العلم صار الحكم للحال، فياله من مقام ما أعز شانه
[١] - رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول( ٢/ ٦٥).
[٢] - رواه البخاري( ١/ ٤٣٥)، و مسلم( ٣/ ١٢٥١).