ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦ - ١١ - ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه
منذ ثلاثين سنة أصوم النهار و أقوم الليل و قد تركت الشهوات، و لست أجد في قلبي شيئا من هذا الذي تذكر البتة و أنا أؤمن بكل ما تقول و أصدقه فقال له أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه: لو صليت ثلاثمائة سنة و أنت على ما أراك عليه لا تجد منه ذرة قال فلم يا أستاذ؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب. قال: نعم و لكنك لا تقبل و لا تعمل. قال: بل أقبل و أعمل ما تقول. قال له أبو يزيد: اذهب الساعة إلى الحجام و احلق رأسك و لحيتك و انزع هذا اللباس و أتزر بعباءة و علق في عنقك مخلاة و املأها جوزا و اجمع حولك صبيانا و قل بأعلى صوتك: يا صبيان من يصفعني صفعة أعطه جوزة و ادخل سوقك الذي تعظّم فيه و أنت على هذه الحالة حتى ينظر إليك كل من عرفك فقال يا أبا يزيد: سبحان اللّه أيقال لمثلي هذا[١] و تحسب أني أفعله، فقال له: قولك سبحان اللّه شرك فقال له و كيف؟ فقال أبو يزيد: لأنك عظمت نفسك فسبحتها. قال يا أبا يزيد:
لست أقدر على هذا و لا أفعله و لكن دلني على غير هذا حتى أفعله. فقال له أبو يزيد: ابدأ بهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك و تذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك بما يصلح لك. قال: لا أطيق هذا. قال: إنك قد قلت إنك تقبل و تعمل و أنا أعلم أن لا مطمع لعبد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى تموت نفسه و يخرق عوائد العامة فحينئذ تخرق له العوائد و تظهر له الفوائد انتهى. و كذلك قصة أبي عمران البردعي مع شيخه أبي عبد اللّه التاودي بفاس من حلق رأسه و لبسه جلابية، و أخذه خبزة ينادي عليها من يخلصها ففعل جميع ذلك، و كذلك قصة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب من أكله التين عند أشجار الناس و غنائه بالأسواق و خرابه بالقصر مشهور حتى
[١] - في الأصل: تقول لي مثل هذا.