ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥١٩ - ٢٨٥ - إن كانت عين القلب تنظر أن الله واحد في منته فالشريعة تقتضي أن لا بد من شكر خليقته
الباب السابع و العشرون
بين الشيخ الأقسام الثلاثة تتميما للتقسيم فأشار إلى أصل التقسيم فقال:
٢٨٥- إن كانت عين القلب تنظر أن اللّه واحد في منته فالشريعة تقتضي أن لا بدّ من شكر خليقته.
قلت: عين القلب هي البصيرة و من شأنها أن لا ترى إلا المعاني دون المحسوسات، كما أن البصر لا يرى إلا المحسوسات دون المعاني، و الحكم للغالب منهما، فمن غلب بصره على بصيرته لا يرى إلا الحس و هو الغافل، و من غلبت بصيرته على بصره لا يرى إلا المعاني، و هى معاني التوحيد و أسرار التفريد، فالبصيرة لا ترى إلا نور الحق دون ظلمة الخلق، لكن لا بد من إثبات الحكمة، و قد تقدم من قوله: الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلابد من إثباتها قياما بالحكمة و نفيها قياما بالوحدة، فإن كانت عين القلب تنظر إلى أن اللّه واحد في منته، بل واحد في جميع تصرفاته، فالشريعة و الحكمة تقتضي أي: تطلب أن لا بد من شكر خليقته قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ [لقمان: ١٤]، فإذا أنعم اللّه عليك بنعمة كانت دنوية أو دينية على يد واسطة فعليك في ذلك وظيفتان: إحداهما قلبية، و هي اعتقادك أنها من اللّه بلا واسطة، و أن ما سواه مقهور على إيصالها.
و الثانية لسانية، و هي أن تدعو له و تثنى عليه عملا بالشريعة، فقد روى النعمان ابن بشير عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، و من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه». و من أسمائه تعالى الشكور، فليتخلق العبد بذلك. و حكمة اعتبار الواسطة ثلاثة: أولها أنها إرسال من الحق تحمل الهدايا إليك، و من الكرم إكرام الرسل. و ثانيها أنها أوان تصل فيها إليك المنافع، و من الحكمة ترفيع آنية المنافع. و ثالثها ما في ذلك من دفع منة الوهم، إذ الوهم يقتضي بطبعه الميل لمن أحسن إليك، فإذا كافأته باللسان فقد أعتقت من رق