ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥١٧ - ٢٨٤ - و قل رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق الإسراء ٣٠ ليكون نظري إلى حولك و قوتك إذا أدخلتني، و انقيادي إليك إذا أخرجتني، و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا الإسراء ٣٠ ينصرني و لا ينصر علي، ينصرني على شهود نفسي و يفنيني عن دائرة حسي
إلى حولك و قوتك إذا أدخلتني] في الأشياء [و انقيادي إليك إذا أخرجتني] منها: و اجعل لي من لدنك أي: من مستبطن أمورك بلا واسطة و لا سبب سلطانا أي: برهانا قويّا، و ليس ذلك إلا وارد قوى من حضرة قهار لا يصادمه شيء إلا دمغه فيحق الحق و يزهق الباطل، و يكون ذلك السلطان [ينصرني و لا ينصر علي] أي: ينصرني على الغيبة عن الحس و عن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية مولاهما و لا ينصر علىّ الوهم و الحس و شهود الغيرية.
ثم بين ذلك فقال: [ينصرني على شهود نفسي] أي: يقويني على الغيبة عنها، فإذا انتصرت على شهودها انهزم عني و ذهب شهودها و بقي شهود ربها، فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل و ينقطع، و كأن شهود النفس عدو يحاربك و يقطعك عن شهود ربك، فإذا نصرك اللّه عليه غلبته و دفعته عنك، فتتصل حينئذ بشهود محبوبك، و إذا فنى شهود النفس فنى حينئذ وجود الحس، و هو معنى قوله: [و يفنيني عن دائرة حسى]، فإذا فنيت دائرة الحس بقي متسع لمعاني و فضاء الشهود، و هذه هي الولادة الثانية، فإن الإنسان بعد أن خرج من بطن أمه و هي الولادة الأولى بقي مسجونا بمحيطاته، محصورا في هيكل ذاته، قد التقمه الهوى، و صار في بطن الحس و الوهم و سجن الأكوان المحيطة بجسمانيته، فإذا فنيت دائرة حسه و خرج من بطن عوائده و شهوات نفسه، نقبت روحه الكون بأسره، و خرجت إلى شهود مكوّنها، فقد ولد مرة ثانية، و هذه الولادة لا يعقبها فناء و لا موت قال تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦]. و هذا معنى قول سيدنا عيسى ٧: ليس منا من لم يولد مرتين، هكذا ذكره الشطيبي من قول عيسى ٧.