ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥١٥ - ٢٨٣ - بل دخلوا في ذلك بالله و لله و من الله و إلى الله
الجزاء. و أما الغفلة، فهي رؤية النفس في حال العمل، و هو عندهم ذنب يستغفرون منه، فاستغفارهم بعد الصلاة إنما هو من حضور نفوسهم في عملهم، و لذلك قيل:" وجودك ذنب لا يقاس به ذنب" و الحاصل: أن أهل الحضرة نزولهم باللّه و عملهم باللّه، لا يرون لأنفسهم حولا و لا قوة، و لا يطلبون من ربهم جزاء و لا أجرة، إذ محال أن يطلب الجزاء على عمل غيره، هذا في حال نزولهم إلى سماء الحقوق. و أما نزولهم إلى أرض الحظوظ، فإنما هو لأداء حقوق العبودية، فليس نزولهم بشهوة النفس و نيل متعتها، لتحقق فنائها و موتها، قد انقلبت حظوظهم حقوقا، و لأجل ذلك المعنى قال سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه: إني لأتزوج النساء و أجامعهن و ليس لي في ذلك شهوة، قالوا و لم تفعل ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال رجاء أن يخرج اللّه من صلبي من يكثر به محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم أمته. و قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه: إذا وافق الحق الهوى كان كالزبد مع العسل، يعني إذا وافقت النية الصالحة الهوى كان كالزبد مع العسل. و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به[١]»، فتحصل أن مقام الزوال يقتضي الفناء عن الحظوظ كلها و لم يبق إلا الواحد الأحد، كما أبان ذلك بقوله:
٢٨٣- بل دخلوا في ذلك باللّه و للّه و من اللّه و إلى اللّه.
قلت: بل للإضراب عما تقدم من دخولهم في الحقوق بسوء الأدب و الغفلة، أو نزولهم لأرض الحظوظ بالشهوة و المتعة، و إنما دخلوا في الحقوق أو الحظوظ باللّه لتحقق فنائهم عن أنفسهم و للّه لتحقق إخلاصهم، و من اللّه لشهودهم الفعل من اللّه و إلى اللّه لتحققهم أن الأمور ترجع كلها إلى اللّه. قال تعالى: وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، فأمر العباد كله قائم باللّه و صادر منه و منته إليه، ثم استدل بالآية الكريمة على أن الدخول في الأشياء و الخروج منها يكون باللّه فقال:
[١] - لم أقف عليه.