ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥١٠ - ٢٧٧ - دائما تسيارها
٢٧٤- فلم يتّخذها وطنا، و لا جعلها سكنا.
قلت: لأن من توطن الشيء فقد قام فيه، و السائر لا مقام له إلا عند مولاه، و كان سيدنا عيسى ٧ يقول في شأن الدنيا: أعبروها، و لا تعمروها، و قال ٧: «مالي و للدنيا، إنما مثلي و مثل الدنيا كراكب سافر في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ثم راح عنها و تركها»، فليست الدنيا دار إقامة و لا سكنا، و إنما هي قنطرة من هنا إلى هنا، فالعارف لا يكون مع غير اللّه قراره لأن همته كلها عند اللّه، كما قال:
٢٧٥- بل أنهض الهمّة فيها إلى اللّه، و صار فيها مستعينا به في القدوم عليه.
قلت: النهوض هو القيام كأن السائر إلى اللّه أنهض همته و أقامها من هذا العالم، يريد بها دخول عالم الملكوت، و إنهاض الهمة يكون بامتثال أمره و الاستسلام لقهره، و الاستعانة به على سفره، و هو معني قوله: و سار فيها مستعينا به في القدوم عليه، و القدوم على اللّه هو الوصول إلى معرفته، و تحقيق العلم به، و لا يصح ذلك إلا بالتبري من الحول و القوة، و من ظن أن اجتهاده يوصله لمرغوبه فقد جهل، و من صح اعتماده على اللّه وصل، ثم بين السر فقال:
٢٧٦- فما زالت مطيّة عزمه لا يقرّ قرارها.
قلت: المطية في اللغة هي المركوب، و استعيرت هنا للعزم القوي أي: فما زال عزمه قويّا، و روحه شائقة لا يقر قرارها أي: لا يسكن قرارها في موطن دون سيدها لأن الشوق أقلقها، و خوف فوات اللحوق أزعجها، فهي في السير على الدوام، كما قال:
٢٧٧- دائما تسيارها.
قلت: إنما دام سيرها لقلة عوائقها لأنها لما أعرضت عن الدنيا مولية عنها. قلت: عوائقها لأن الدنيا شبكة العوائق، و أصل العلائق، و كل من قطع عروقها من قلبه ذهبت عنه العلائق كالشيطان الذي هو أبوها، فلما طلق له بنته تركه، و كالنفس لأن قوامها الدنيا، فلما ذهبت